فهرس الكتاب
والإخفاءِ، والقلبِ، والغُنَّةِ، والمدِّ، والقصرِ، وأمثالِ ذلكَ، فالحقُّ صفةُ اللزومِ، والمُسْتَحَقُّ صفةُ العروضِ، هذا ولا يَخْفَى أنَّ إخراجَ الحرفِ مِن مَخْرَجِه أيضًا داخلٌ في تعريفِ التجويدِ كما صرَّحَ به الناظمُ في كتابِ التمهيدِ، فكانَ ينبغي أنْ يُذْكَرَ فيه، وقد أَشَرْنَا إلى جوابٍ لطيفٍ في ضمنِ تعريفِه، وهو أنَّ الحروفَ لا تتحقَّقُ إلا باعتبارِ إخراجِها مِن حيِّزِها، لكن يبقي فيه إشكالٌ من جهةِ أنَّ بعضَ الصفاتِ أيضًا مُمَيِّزَةٌ لها، لا يقالُ إنَّ المَخَارِجَ قد تقدَّمَ حُكْمُها فإنَّا نقولُ الصفاتُ أيضًا قد تَبَيَّنَ عِلْمُهَا، والأظهرُ أنَّ المرادَ بقولِه: (وردُّ كُلِّ واحدٍ لأصلِه) بيانُ مَخْرَجِ كُلِّ واحدٍ من الحروفِ؛ فإنَّ مَعْناهُ أنَّ التجويدَ هو ردُّ كُلِّ واحدٍ من الحروفِ،
أي: صرفُه إلى أصلِه من حيِّزِه ومَخْرَجِه، لكن يَرِدُ عليه أنَّهُ كانَ ينبغي أنْ يُقَدِّمَ بيانَ المَخْرَجِ على الصفةِ؛ لأنَّ الأَوَّلَ بيانُ الحقيقةِ والماهيَّةِ، والثاني بيانُ الصفةِ والكيفيَّةِ، وغايةُ ما يُتَكَلَّفُ في الجوابِ عنه أنْ يقالَ: الواوُ لمطلَقِ الجمعيَّةِ، لا لإفادةِ الترتيبِ بينَ الجُمَلِ المُتَعَاطِفَةِ.
(واللفظُ في نظيرِه كمثلِه) المرادُ بالنظيرِ والمثلِ هنا واحدٌ، وكانَ الأَوْلَى أنْ يقولَ: واللفظُ في شبيهِه كمثلِه، والكافُ زائدٌ، والمعنى أنَّ مِن التجويدِ أنْ يُتَلَفَّظَ في اللفظِ الثاني مثلَ ما تُلُفِّظَ بمثلِه أَوَّلًا، يعني: أنَّهُ إذا نطَقَ بالحرفِ مُرَقَّقًا، أو مُفَخَّمًا أو مُشَدَّدًا، أو مقصورًا، أو ممدودًا، أو مُظْهَرًا، أو مُدْغَمًا وأمثالُ ذلكَ وجاءَ شبيهُهُ ممَّا يقتضي تلكَ الصفاتِ السابقةَ فَيُتَلَفَّظُ به بلا تفاوُتٍ؛ لتكونَ القِراءةُ على المناسبةِ والمساواةِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يكونَ النظيرُ على بابِه، ويُرَادُ أنَّ مَدَّهُ بألفِ الرحمنِ يكونُ على مِقْدَارِ مَدِّهِ بياءِ الرحيمِ، وأمثالَ ذلكَ.
(مُكَمِّلًا مِن غيرِ مَا تَكَلُّفِ) بكسرِ الميمِ، أي: حالَ كونِ اللافظِ مُكَمِّلَ الصفاتِ حقًّا واستحقاقًا، أو بفتحِ الميمِ، أي حالَ كونِ المَلْفُوظِ مُكَمِّلَ الأداءِ مَخْرَجًا وصفةً من غيرِ تكَلُّفٍ وارتكابِ مَشَقَّةٍ في قراءتِه، بالزيادةِ على أداءِ مَخْرَجِه، والمبالغةِ في بيانِه صفتَه، و (ما) زائدةٌ لتأكيدِ النفيِ.
(باللُّطْفِ في النطقِ بلا تَعَسُّفٍ) أي: وأنْ يَتَلَطَّفَ في نطقِه بالقراءةِ، بلا خروجٍ عن استقامةِ جادَّةِ الأداءِ إلى طَرَفَي الإفراطِ والتفريطِ، والمعنى: أنَّهُ ينبغي أنْ يَتَحَفَّظَ في الترتيلِ عن التمطيطِ، وفي الحَدْرِ عن الإدماجِ والتخليطِ، فإنَّ القِراءةَ بمنزلةِ البياضِ إنْ قلَّ صارَ سُمْرَةً وإنْ كَثُرَ صارَ بَرَصًا، وزادَ الإمامُ حمزةُ: وما فوقَ الجُعُوَدَةِ فهو القَطَطُ وما كانَ فوقَ القراءةِ فليسَ بقراءةٍ.
وأمَّا ماذكرَه الشيخُ زكريَّا مِن قولِه: وفي نسخةٍ: (باللفظِ في النطقِ) فلا وجهَ لصحَّتِهَا فما كانَ ينبغي له ذِكْرُهَا إلا مَقْرُونًا بالتنبيهِ على ضعفِها.
ثمَّ اعلمْ أنَّ كتابَ اللهِ تعالى يُقْرَأُ بالترتيلِ والتحقيقِ، وبالحدرِ والتخفيفِ، والأَوَّلُ أَوْلَى لظهورِ المعنى والثانى أفضلُ لتكثيرِ المَبْنَى وقد ورَدَ، أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ:"مَن أَحَبَّ أنْ يقرأَ القرآنَ غَضًّا كما أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْ قراءةَ ابنِ أمِّ عبدٍ"