الصفحة 29 من 105

يعني عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه، والمرادُ بالغَضِّ: الطَّرِيُّ فإنَّه رَضِيَ اللهُ كانَ قدْ أُعْطِيَ حظًّا عظيمًا في تجويدِ القرآنِ وتحقيقِه وترتيلِه كمَا أنزلَه اللهُ تعالى، وقد أَمرَه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يُسْمِعَه القرآنَ

فقالَ: أقرأُ عليكَ وعليكَ أُنْزِلَ؟ فقالَ: (نعم, أُحِبُّ أنْ أَسْمَعَه مِن غيري) . فقرَأَ عليه سورةَ النساءِ إلى أنْ وصلَ إلى قولِه: فكيفَ إذا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنَا بِكَ على هؤلاءِ شهيدًا فقالَ: حسبُكَ الآنَ، وكانتْ عيناهُ تَذْرِفَانِ"وفي الحديثِ الواردِ في الصحيحينِ إيماءٌ إلى بيانِ الطريقتينِ في أَخْذِ القراءةِ عن الشيوخِ ولمَّا كانَ عبدُ اللهِ مِن أَجِلَّاءِ علماءِ القراءةِ مِن الصحابةِ خصَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذِه المَنْقَبَةِ. وتَجُوزُ القِراءةُ سِرًّا وعَلَانِيَةً، وبأيِّهما اقْتَرَنَ نيَّةٌ صالحةٌ كانَ أعلى وأغلى."

وفي الموطَّأِ وسُنَنِ النسائيِّ عن حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عنه عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"اقْرَءُوا القرآنَ بِلُحُونِ العربِ، وإيَّاكُم ولحونَ أهلِ الفسقِ والكتابِيينَ"وفي روايةٍ:"أهلِ الفسقِ والكتابيينَ؛ فإنَّه سيجيءُ أقوامٌ بعدِي يُرَجِّعُونَ القرآنَ تَرْجِيعَ الغناءِ والرهبانيَّةِ والنَّوْحِ، لا يُجَاوِزُ حناجرَهُم، مَفْتُونَةٌ قلوبُهم، وقلوبُ مَن يُعْجِبُهم شأنُهُم". والمرادُ بألحانِ العربِ القِراءةُ بالطبائعِ والأصواتِ السَّليقيَّةِ، وبألحانِ أهلِ الفسقِ الأنغامُ المستفادةُ مِن القواعدِ الموسيقيَّةِ، والأمرُ مَحْمُولٌ على الندبِ، والنهيُ مَحْمُولٌ على الكراهةِ إنْ حَصَلَ له معَه المحافظةُ على صحَّةِ ألفاظِ الحروفِ، وإلا فَمَحْمُولٌ على التحريمِ، والقَوم الذين لا يجاوزُ حناجرَهم قراءتُهم, الذينَ لا يََدَبَّرُونَه ولا يَعْمَلُونَ به، ومِن جملةِ العملِ به الترتيلُ والتلاوةُ حقَّ تلاوتِه، ونقلَ الزَّيْلَعِيُّ مِن الأئمَّةِ الحنفيَّةِ أنَّهُ لا يَحِلُّ التطريبُ فيه ولا الاستماعُ إليه؛ لأنَّ فيها تشبيهًا بفعلِ الفَسَقَةِ في حالِ فِسْقِهِمْ وهو التغنِّي، ولا يُعَكِّرُ عليه قولُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"ليسَ مِنَّا مَن لم يَتَغَنَّ بالقرآنِ"؛ لأنَّ المُرَادَ بالتغنِّي به الاستغناءُ، على ما اختارَه سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ ونقلَه عنهُ شارحُ المصابيحِ، أو المرادُ بهِ تحسينُ الصوتِ وتزيينُه على وَفْقِ التجويدِ وتبيينه، لقولِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"زيِّنُوا القرآنَ بأصواتِكم". ومِن القراءةِ المَنْهِيَّةِ ما أَحْدَثُه الجماعةُ الأزهريَّةُ حيثُ يَجْتَمِعُونُ فَيَقْرَؤنَ بصوتٍ واحدٍ ويُقَطِّعُونَ القرآنَ فيأتي بعضُهم ببعضِ الكلمةِ والآخرُ ببعضِها ويَحْذِفُونَ حرفًا ويزيدونَ آخرَ ويُحَرِّكُونَ الساكنَ ويسكِّنُونَ المتحرِّكَ، وأمثالُها ويَمُدُّونَ تارةً ويُقْصِرُونَ أخرى في غيرِ مَحَلِّها مراعاةً للأصواتِ خاصَّةً دونَ أحوالِها معَ أنَّ الغرضَ الأهمَّ مِن القراءةِ إنَّما هوتصحيحُ مبانِيها لظهورِ معَانيها ليُعْمَلَ بما فيها، كما قالَ اللهُ تعالى: كتابٌ أَنْزَلْنَاهُ إليكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِه ولِيَتَذَكَّرَ أولوا الألبابِ نعم إذا اجْتُلِيَت المباني على أسماعِ السامعِ والتالي في أعلى معَارضِها وأجلى جهاتِ النطقِ بها كانَ تلقِّي القلوبِ وإقبالُ النفوسِ عليها زائدةً في الحلاوةِ على ما لم يبلغْ ذلكَ المبلغَ منها، فحينئذٍٍ يَنْتِجُ اكتسابَ أوامرِه، واجتنابَ زواجرِه، والرغبةَ في وعدِه، والرهبةَ مِن وعيدِه، وتلكَ فائدةٌ جسيمةٌ، وعائدةٌ عظيمةٌ، وهذا معنى قولِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"زيِّنُوا القرآنَ بأصواتِكم"أي: أظهرُوا زينَتَها بِحُسْنِ أصواتِكم. وهذا لا ينافي ما وردَ مِن قولِه صلى اللهُ عليه وسلَّمَ:"زَيِّنُوا أصواتَكُم بالقرآنِ"وبِمَا تحرَّرَ وتقرَّرَ مِن البيانِ تَبَيَّن حِكْمَةُ شرعِ الإنصاتِ لقراءةِ القرآنِ وجوبًا في الصلاةِ وندبًا في غيرِها، وحُسْنُ دأبِ الأئمَّةِ في السكوتِ على التمامِ من الكَلَامِ؛ لِمَا في ذلكَ مِن سرعةِ وصولِ المَعْاني إلى الأفهامِ هذا، ويؤيِّدُ الأخيرَ ما رواهُ التِّرْمِذِيُّ وصحَّحَهُ عن ابنِ مسعودٍ رضي اللهُ تعالى عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت