فهرس الكتاب
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنْ قرأَ حرفًا مِن كتابِ اللهِ فلَه حسنةٌ والحسنةُ بعشرِ أمثالِها". ولأنَّ عثمَانَ رَضِيَ اللهُ عنه وغيرَه قرأوا القرآنَ في ركعةٍ ويقوِّي الأَوَّلَ ما وردَ من حديثِ (مَن قرأَ القرآنَ أقلَّ مِن ثلاثٍ لم يَفْهَمْهُ) ومالَ إلى هذا القولِ ابنُ مسعودٍ، وابنُ عبَّاسٍ، وغيرُهم مِن الصحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم.
هذا وقالَ المصنِّفُ رحمَهُ اللهُ: رُوِّينا بسندٍ صحيحٍ عن أبي عثمَانَ النَّهْدِيِّ قالَ:"صلَّى بنا ابنُ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه بـ {قلْ هوَ اللهُ أحدٌ} ، وواللهِ لَوَدِدْتُ أنَّهُ قَرَأَ سورةَ البقرةِ مِن حُسْنِ صوتِه وتَرْتِيلِه". وهذه سُنَّةُ اللهِ تباركَ وتعالى فيمَن يقرأُ القرآنَ مُجَوَّدًا مصحَّحًا كما أُنْزِلَ، تَلْتَذُّ الأسماعُ بتلاوتِه، وتَخْشَعُ القلوبُ عندَ قراءتِه، حتى يكادَ أنْ يَسْلُبَ العقولَ عن حالتِه، قالَ: ولقد أدركْنا مِن شيوخِنا مَن لم يكنْ له حُسْنُ صوتٍ ولا مَعْرفةٌ بالألحانِ، إلا أنَّهُ كانَ جيَّدَ الأداءِ، قَيِّمًا باللفظِ والبناءِ، فكانَ إذا أفرطَ أطربَ المسامعَ، وأخذَ القلوبَ بالمجامعِ، وكانَ الخَلْقُ يزدحمونَ عليه، ويجتمعُونَ للاستماعِ إليه، قالَ: وأخبرني جماعةٌ من شيوخي وغيرُهم أخبارًا بلَغَت التواترَ عن شيخِهم الإمامِ تقيِّ الدينِ محمدِ بنِ أحمدَ الصائغِ المصريِّ رحمَهُ اللهُ وكانَ أُسْتاذًا في التجويدِ أنَّهُ قرأَ يومًا في صلاةِ الصبحِ: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فقالَ مَالِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ وكرَّرَ هذه الآيةَ، فنزلَ طائرٌ على رأسِ الشيخِ يستمعُ قراءتَه حتى أَكْمَلَها، فنظَرُوا إليه فإذا هو هدهدٌ. قالَ: وبَلَغَنَا عن الأستاذِ الإمامِ أبي عليٍّ البغداديِّ المَعْروفِ بسِبْطِ الخيَّاطِ صاحبِ (المُبْهِجِ) وغيرِه في القراءةِ أنَّهُ كانَ قد أُعْطِيَ حظًّا عظيمًا، وأنَّهُ أَسْلَمَ على يدِه جماعةٌ مِن اليهودِ والنصارى مِن سماعِ قراءتِه وحُسْنِ صوتِه. ا هـ.
وفي الحديثِ الشريفِ عن زيدِ بنِ ثابتٍ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ قالَ"إنَّ اللهَ يُحِبُّ أنْ يُقْرَأَ القرآنُ كَمَا أُنْزِلَ"خَرَّجَه ابنُ خُزَيْمَةَ في صحيحِه ويُؤَيِّدُه قولُه تعالى: الذِينَ آتَيْنَاهُم الكِتَابَ يَتْلُونَه حقَّ تَلاوَتِهِ . وفي صحيحِ البخاريِّ عن أنسٍ أنَّهُ سُئِلَ عن قراءةِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَ: كانتْ مَدًّا أو مُدَاءً، بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ يَمُدُّ اللهَ ويَمُدُّ الرحمنَ ويَمُدُّ الرحيمَ. أمَّا الأَوَّلانِ فَمَدُّهُمَا طبيعيٌّ قدرَ أَلِفٍ، وأمَّا الأخيرُ فَمَدُّهُ عارضٌ بالسكونِ، فيجوزُ فيه ثلاثةُ أوجهٍ: الطولُ وهو: مقدارُ ثلاثِ أَلِفَاتٍ، والتوسُّطُ وهو: قدرُ الألفينِ، والقِصَرُ: قدرُ ألفٍ.
وقالَ قاضي خانَ في فتاواه: لو قَرَأَ القرآنَ في صلاتِه بالألحانِ إنْ غَيَّرَ الكلمةَ تَفْسُدُ صلاتُه لِمَا عُرِفَ، فإنْ كانَ ذلكَ في حرفِ المدِّ واللينِ لا يُغَيِّرُ المعنى إلا إذا فَحُشَ ا. هـ. وفيه بحثٌ إذ فُحْشُ امتدادِ حروفِ المدِّ لا يُغَيِّرُ المعنى أبدًا، قالَ: وعندَ الشافعيِّ الخطأُ في غيرِ الفاتحةِ لا يُفْسِدُ الصلاةَ؛ لأنَّ الكَلَامَ عندَه لا يقطعُ الصلاةَ إذا لم يكنْ مُتَعَمِّدًا وهذا ليسَ بِمُتَعَمِّدٍ؛ لأنَّه يريدُ قراءةَ القرآنِ، وإنَّما تَفْسُدُ الصلاةُ بالخطأِ في الفاتحةِ؛ لأنَّه عندَه لا تجوزُ الصلاةُ بدونِ الفاتحةِ. وإنْ قرأَ بالألحانِ في غيرِ الصلاةِ اخْتَلَفُوا في جوازِه، وعامَّةُ المشايخِ على منعِه، وكرِهُوا الاستماعَ أيضًا؛ لأنَّه تشبيهٌ بالفَسَقَةِ بما يفعلونَه في فِسْقِهم، وكذا الترجيعُ في الأذانِ ا. هـ ولعلَّ محَلَّ اختلافِ الجوازِ ما لم يُغَيِّرِ المبنى والمعنى، واللهُ سبحانَه وتعالى أعلمُ. ثمَّ رأيتُ في شرحِ (مُنْيَةِ المُصَلِّي) : رجلٌ يقرأُ