الصفحة 36 من 105

، إمَّا للوزنِ، أو لأدنى الملابسةِ، وهي كونُها مثالينِ للباءِ الموحَّدَةِ، والظاهرُ أنَّ كلمةَ (كحُبِّ) مَحْكيَّةٌ على ما وردَ في الآيةِ إمَّا بكمالِها أو بإرادةِ كافِ التشبيهِ فيها، لقولِه تعالى: {يُحِبُّونَهُم كَحُبِّ اللهِ ، وأمَّا (الصبرُ) فعطفٌ عليه من غيرِ عاطفٍ، وإنَّما أمرَ بالحرصِ على إتيانِ صفةِ الشدَّةِ والجهرِ الكائنتينِ في الباءِ والجيمِ؛ لئلَّا تشتبهَ الباءُ بالفاءِ، والجيمُ بالشينِ، كقولِه تعالى:} يُحِبُّونَهُم كحُبِّ اللهِ {} وَتَوَاصَوْا بالصَّبْرِ.

(رَبْوَةٍ اجْتُثَّتْ وَحَجِّ الفجرِ) بالإضافةِ أيضًا، لما سبقَ، ولا يصحُّ فيه الحكايةُ كما تَوَهَّمَ المصريُّ؛ إذ لم يُعْرَفْ لفظُ حجٍّ مُنَكَّرًا مجرورًا في القرآنِ، والمَعْني: وكباءِ (ربوة) وجيمِ البقيَّةِ، أو رَبوةٌ بفتحِ الراءِ لابنِ عامرٍ وعاصمٍ، وهي في الموضعينِ"كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ"و"إلى رَبْوَةٍ"ويجوزُ ضمُّ تنوينِ ربوةٍ، وكسرتُها، كما قُرِيءَ بهما في قولِه كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ {و (الحجُّ) جاءَ مُعَرَّفًا باللامِ، وَمُجَرَّدًا عنها، قالَ اللهُ تعالى:} وللهِ على النَّاسِ حجُّ البيت ِ و الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ والْمُرَادُ: هذه الأمثلةُ وأمثالُها مِن الآياتِ، وخصَّ الجيمَ بالذِّكْرِ مِن بينِ حروفِ الجهرِ والشدَّةِ أيضًا؛ لإخراجِ أهلِ مصرَ والشامِ إيَّاها مِن دونِ مَخْرَجِها، فينتشرُ بها اللسانُ فيَمْزِجُونَها بالشينِ، وكذا بعضُ أهلِ اليمنِ يَمْزِجُونَها بالكافِ، لارتفاعِ اللسانِ في مَخْرَجِها، لاسيَّمَا إذا أتَى بعدَها بعضُ الحروفِ المَهْمُوسَةِ؛ فإنَّ التحفُّظَ على جهرِها وشِدَّتِها يكونُ أتمَّ وألزمَ، واللهُ أعلمُ وأحكمُ.

(وَبَيِّنَنْ) بالنونِ الخفيفةِ (مُقَلْقَلًا) بفتحِ القافِ الثانيَةِ وكسرِها (إنْ سَكَنَا) بألفِ الإطلاقِ، أي: بيِّنْ بيانًا تامًّا سكونَ حرفٍ مُقَلْقَلٍ مِن حروفِ القَلْقَةِ المتقدِّمَةِ المجموعةِ في (قطب جد) إنْ سُكِّنَ الحرفُ المُقَلْقَلُ بسكونٍ أصليٍّ لازمٍ، لا يختلفُ حالُه أصلًا، لا وقفًاَ، ولا وصلًا، نحو (يَقْطَعُونَ) و (فطرةٌ) و (رَبْوَةٌ) و (الْفَجْرُ) و (يَدْخُلُونَ) (وإنْ يكنْ) أي السكونُ (في الوقفِ كانَ) أي المُقَلْقَلُ أو للتَّقَلْقُلِ (أَبْيَنَا) أَبْيَنَا بألفِ الإطلاقِ، أي: أكثرَ بيانًا وأظهرَ عِيانًا من الْقَلْقَلةِ عندَ سكونِه لغيرِ الوقفِ، نحوَ (برق) و (محيط) و (كسب) و (حرج) و (المهاد) ، والظاهرُ أنَّ المرادَ بسكونِه في الوقفِ أعمُّ مِن أنْ يكونَ عارضيًّا في الوقفِ أمْ أَصْليًّا؛ ليستقيمَ تمثيلُ ابنِ المصنِّفِ في الباءِ بقولِه (فارْغَبْ) ، وأمَّا قولُ المصريِّ: أو عارِضًا لوقفِ نحوَ (مَنْ لَمْ يَتُبْ) و (إنْ يسرقْ) فغفلةٌ عن قواعدِ العربيَّةِ؛ لأنَّه عارضٌ لجازمٍ لا لوقفٍ، فهو في حكمِ سكونِ اللازمِ، فلازمُ العالمِ، وأمَّا قولُه: وقيَّدَ شيخُ الإسلامِ، يعني زكريَّا، المصراعَ الأَوَّلَ بغيرِ الوقفِ، بِناءً على أنْ تَبْيينَ القلقلةِ في الوقفِ مَعْلُومٌ من المصراعِ الثاني، وما ذكرَناهُ أَوْلَى؛ لأنَّ الأصلَ الإطلاقُ، فليسَ في مَحَلِّهِ؛ إذ كَلَامُ شيخِ الإسلامِ في مقامِ النظامِ، لِمَن يتأمَّلُ في المرامِ؛ لأنَّ الكَلَامَ إنَّما هو في السكونِ الأصليِّ مطلقًا، والعارضِ وقفًا، ولا يختلفُ الحكمُ حينئذٍ في الأَوَّلِ أنْ يَقِفَ على تلكَ الكلمةِ التي فيها سكونٌ أصليٌّ، أو يُدْرِجَها، فتأمَّلْ يظهرْ لكَ وجهُ الخللِ، ثمَّ لا شَكَّ أنَّهُ إذا تكرَّرَ حرفُ القلقلةِ مُدْغَمًا تكونُ المبالغةُ في القلقلةِ متعيِّنًا، نحو (الحق) و (تب) و (الحج) و (صد) ، ثمَّ اعلمْ أنَّ الأظهرَ كونُ (مُقَلْقَلًا) بالفتحِ، على أنَّهُ نعتٌ لحرفٍ مقدَّرٍ، وأمَّا تقديمُ ابنِ المصنِّفِ الكسرَ على أنَّهُ حالٌ مِن فاعلِ (بيِّن) فيحتاجُ إلى مفعولٍ مُقَدَّرٍ، أي: بَيِّن الحرفَ حالَ كونِكَ مُقَلقِلًا، ولا يَخْفَى أنَّ الأَوْلَى هي الأُولَى، ويلائمُه عطفُ المصنِّفِ رحمَهُ اللهُ على مُقَلْقَلًا قولَه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت