فهرس الكتاب
(وحاءُ حَصْحَصَ أَحَطْتُ الحقُّ) بإشباعِ ضمَّةِ القافِ، رعايةً للقافيةِ، ورفعُه بِناءً على الحكايةِ ولو في آيةٍ، معَ أنَّهُ مجرورٌ بحسبِ القاعدةِ العربيَّةِ من حيثُ إنَّهُ وما قبلَه معْطُوفانِ على (حَصْحَصَ) المضافِ إليه بحذفِ العاطفِ، والمعنى: وبَيِّنْ ترقيقَ حاءَ نحوَ (حَصْحَصَ) الشاملةِ للأُولَى والثانيَةِ، وحاءَ (أحطتُ) وحاءُ (الحق) لمجاورتِها حروفَ الاستعلاءِ المُفَخَّمَةِ، حذرًا مِن تفخيمِ الحاءِ حالَ المقاربةِ، قالَ في النشرِ: والحاءُ تجبُ العنايةُ بإظهارِها إذا وقعَ بعدَها مُجَانِسُها أو مُقارِبُها، لا سيَّما إذا سَكَنَتْ، نحوَ (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ) و (سَبِّحْهُ) فكثيرًا ما يَقْلِبُونَها في الأَوَّلِ عينًا ويُدْغِمونَها، وكذلكَ يَقْلِبونَ الهاءَ في (سَبِّحْهُ) حاءً؛ لضعفِ الهاءِ وقُوَّةِ الحاءِ، فَيَتَّحِدُ بها، فيَنْطِقونَ بحاءٍ مُشَدَّدَةٍ، وكُلُّ ذلكَ لا يجوزُ إجماعًا، وكذلكَ يجبُ الاعتناءُ بترقِيقِها إذا جاورَها حرفُ الاستعلاءِ، نحوَ (أَحَطْتُ) و (الحَقُّ) فإن اكتنفَها حرفانِ كانَ ذلكَ أَوْجَبَ، نحوَ (حَصْحَصَ) . اهـ. كَلَامُه.
(وَسِينَ مُسْتَقِيمِ) بكسرِ الميمِ بلا تنوينٍ ضرورةٌ (يَسْطُو يَسْقُو) بحذفِ العاطفِ فيهما، أي: بينَ انفتاحِ السينِ المُهْمَلَةِ واستفالتِها، لاسيَّما حالُ ضعفِها بسكونِها معَ مجيءِ القافِ ولو بواسطةٍ بعدَها، لئلَّا تَنْقَلِبَ صادًا حالَ نطقِها، ثمَّ إيرادُ (مُسْتَقِيمِ) نكرةً لتَشْمَلَ المَعْرفةَ، وجرُّه يَصِحُّ إعرابًا وحكايَةً لورودِه في القرآنِ إلى صراطٍ مُسْتَقِيمٍ {وأغربَ المصريُّ في قولِه: (مُسْتَقِيمٍ) بفتحِ الميمِ من غيرِ تنوينٍ على الحكايَةِ؛ لأنَّه كذلكَ في سورةِ الفاتحةِ ا. هـ. ولا يخفى وجهُ الغرابةِ؛ لأنَّه ليسَ كذلكَ في الفاتحةِ، فإنَّ الموجودَ فيها مُعَرَّفَةٌ باللامِ كما لا يخفى على مَن له إلمامٌ بمراتبِ الكَلَامِ، وكذلكَ سِينَ (يَسْطُونَ) و (يَسْقُونَ) من قولِه تعالى:} يَكَادُونَ يَسْطُونَ {و} وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِن الناسِ يَسْقُونَ لمجاورتِهما الطاءَ والقافَ، وهما مِن حروفِ المُسْتَعْلِيَةِ، والشديدةِ، معَ كونِ السينِ مُسْتَفِلَةً رخوةً، وكذا أمثالُ هذه الكلماتِ في الآياتِ البيِّنَاتِ، ثمَّ حذَفَ النونَ من المثالينِ الأخيرينِ مِن بابِ الضرورةِ الشعريَّةِ، وإلا فلا يجوزُ قطعُ الكلمةِ عندَ القُرَّاءِ لا حالَ الاختيارِ ولا الاختبارِ ولا الاضطرارِ، وكذا لا يُسْتَحْسَنُ قطعُ الكلمةِ في الكتابةِ بأنْ يَكْتُبَ النونَ في المثالينِ المَذْكُورَيْنِ في أَوَّلِ سطرٍ وما قبلَها في آخرِ سطرٍ، فاحفظْ هذه القاعدةَ، فإنَّها كثيرةُ الفائدةِ. (ورَقِّقِ الراءَ) أي: الذي أصلُها التفخيمُ (إذا ما كُسِرَتْ) نحو (رِزْق) .
فائدةٌ: ما بعدَ إذا زائدةٌ، ومفهومُه أنَّهَا تُفَخَّمُ إذا ضُمَّتْ أو فُتِحَتْ نحوَ (رب) و (رؤيا) (كذاك) أي: مثلَ الراءِ المكسورةِ تُرَقَّقُ إذا وَقَعَتْ (بعدَ الكسرِ حيثُ سُكِّنَتْ) أي: الراءُ، ومفهومُه أنَّهَا تُفَخَّمُ إذا كانتْ ساكنةً بعدَ ضمَّةٍ، أو فتحةٍ، والأمثلةُ: (قرآن) و (قرن) و (مريه) (إنْ لم تكنْ) أي: الراءُ الساكنةُ الموجودةُ بعدَ الكسرِ واقعةً (مِن قَبْلِ حرفِ اسْتَعْلَا) بالقصرِ، كوقفِ حمزةَ، لا للضرورةِ، وجزاءُ الشرطِ محذوفٌ دلَّ عليه ما قبلَه، ومفهومُه أنَّ حرفَ الاستعلاءِ إذا كانتْ قبلَه فإنَّها تُفَخَّمُ (كمِرْصَادٍ) و (إِرْصَادٍ) و (قِرْطَاسٍ) و (فِرْقَةٍ) وليسَ غيرُها في القرآنِ (أو كانتْ الكسرةُ) أي: كسرةُ ما قبلَها (ليستْ أصلًا) أي: أصليَّةً، لاعارضيَّةً، ولا منفصلةً؛ لأنَّ الأصلَ هو الاتصالُ فإنَّهُما تُفَخَّمَانِ (كارجعي) و (الذي ارتضى) و (أمْ ارْتَابُوا) وليسَ المرادُ أنَّ الكسرةَ لا تكونُ موجودةً أصلًا، على ما يُتَوَهَّمُ قالَ الرُّوميُّ: (أو كانتْ) عطفٌ علي الجملةِ الشرطيَّةِ السابقةِ ا. هـ. وهو مُوَافِقٌ للقواعدِ العربيَّةِ، ولكنَّهُ غيرُ مُطَابِقٍ للقواعدِ القرآنيَّةِ؛ فإنَّ الكسرةَ إذا لم تكنْ أصليَّةً تَوَجَّبَ تفخيمُ الراءِ بعدَها، لا ترقيقُها المفهومُ مِن ظاهرِ نظمِ عبارةِ الجَزْرِيَّةِ، فالوجهُ أنْ تكونَ عاطفةً على مدخولِ (لم) الجازمةِ، ولمَّا لمْ تكنْ (لم)