الصفحة 38 من 105

تدخلُ على الصيغةِ المَاضِيةِ، يُقَدَّرُ لها ما في معْناها، ليؤدِّيَ مُؤَدَّاها مِن إفادةِ النفيِ، فيقالُ التقديرُ: أو ما كانتْ على ما أشارَ إليه الشيخُ زكريَّا، وبه تمامُ نظامِ مرامِ الكَلَامِ، فترقيقُ الراءِ التي بعدَ كسرةٍ مشروطٌ بعدمِ كونِ حرفِ الاستعلاءِ بعدَها، وبعدمِ كونِ الكسرةِ عارضيَّةً، فإنها إذا وُجِدَ حرفُ الاستعلاءِ بعدَها

تُفَخَّمَ، وكذا إذا كانت الكسرةُ عارضيَّةً أو مُنْفَصِلَةً، فإنها تُفَخَّمُ، فالقيدانِ عدميَّانِ مانعانِ، كما أشارَ إليه ابنُ المصنِّفِ، إلا أنَّ مآلَ كَلَامِ زكريَّا إلى أنَّ الثانيَ قَيْدُ إثباتٍ؛ لأنَّ نفيَ النفيِ يفيدُ الإثباتَ، فيصيرُ التقديرُ: أو كانت الكسرةُ أصليَّةً، فَيُؤْخَذُ حينئذٍ حكمُ العارضيَّةِ بالمفهومِ مِن الشرطيَّةِ، وأمَّا قولُ اليمانيِّ: (أو كانتْ) عطفٌ على مُقَدَّرٍ، تقديرُه: تُفَخَّمُ الراءُ إذا كانتْ مِن قَبْلِ حرفِ استعلاءٍ، أو كانتْ كسرةُ ما قبلَها ليستْ أصلًا، أي: عارضيَّةً، فهو أقربُ إلى المبنى، فإنَّه مِن بابِ العطفِ على المعنى، كما لا يَخْفَى، وأمَّا ما اختارَه المصريُّ: مِن أنَّ (ما) المُقَدَّرَةَ عطفٌ على (لم تكنْ) فبعيدٌ جدًّا حيثُ لا دلالةَ على هذا المقدَّرِ لشيءٍ أبدًا.

أقولُ: ولو قالَ المصنِّفُ: أولمْ تكُ الكسرةُ ليستْ أصلًا، لَخَلُصَ، ثمَّ كانَ الأظهرُ أنْ يقولَ: أو كانت الكسرةُ أصلًا ووصلًا، أي أصليَّةً لا عارضيَّةً، ووصليَّةً لا فصليَّةً، فَيُوَافِقُ الشاطبيَّةَ مِن جهةِ القيدينِ في قولِه: وما بعدَ كسرٍ عارضٍ أو مُفَصَّلٍ فَفَخِّمْ فهذا حكمُه مُتَبَذِّلًا وكانَ يفيدُ بالأصلِ أنْ لا يكونَ عارضًا، وبالوصلِ أنْ لا يكونَ مُنْفَصِلًا، فرحِمَ اللهُ مَن أنصفَ ولم يَتَعَسَّفْ، ثمَّ الأَوْلَى أنْ يكونَ الكَلَامُ بالواوِ الحاليَّةِ دونَ (أو) الترديديَّةِ؛ لئلَّا يُتَوَهَّمَ التنويعُ المُوهِمُ بأنَّ الكسرةَ الأُولَى يرادُ بها مُطْلَقًا، فتأمَّلْه؛ فإنَّه مَوْضِعُ زَلَلٍ، والعجبُ مِن ابنِ المُصَنِّفِ ومَن تبِعَه مِن الشُّرَّاحِ الكِرامِ حيثُ لم يَتَقَيَّدُوا بحَلِّ هذا المقامِ، من جهةِ المبنى، واكتفَوْا بما ذكرُوه من حاصلِ المعنى.

والحاصلُ أنَّ ترقيقَ الحرفِ: إنْحَافُه أي: جَعْلُه في المَخْرَجِ نَحِيفًا وفي الصفةِ ضعيفًا، وضدُّه التفخيمُ فإنَّه بمعنى التَّسمينِ والتَّجسيمِ، فهو والتغليظُ واحدٌ، إلا أنَّ استعمالَ الأكثرِ في الراءِ أنْ يكونَ ضدُّ الترقيقِ هو التفخيمَ، وفي اللامِ التغليظُ، كما في قراءةِ وَرْشٍ من طريقِ الأزرقِ، وقد عبَّرَ قومٌ عن الترقيقِ في الراءِ بالإمالةِ بينَ اللفظينِ، كما فعلَه الدانيُّ وبعضُ المغاربةِ، إلا أنَّهُ تَجَوُّزٌ، إذ الإمالةُ أنْ يَنْحُوَ بالفتحةِ إلى الكسرةِ, وبالألفِ إلى الياءِ، والترقيقُ إنْحَافُ صوتِ الحرفِ فيمكنُ التلفُّظُ بالراءِ مُرَقَّقَةً غيرَ مُمَالَةٍ، وَمُفَخَّمَةً مُمَالةً، وإنْ كانَ لايَجُوزُ روايةً معَ الإمالةِ إلا الترقيقُ، وأيضًا لو كانَ الترقيقُ إمالةً لم يدخلْ على المضمومِ والساكنِ، ولكانت الراءُ المكسورةُ مُمَالةً وذلكَ خلافُ إجماعِهم على الفرقِ بينهما؛ بأنَّ الترقيقَ في الحرفِ دونَ الحركةِ والإمَالةَ في الحركةِ دونَ الحرفِ، كذا ذكرَه المصريُّ، والتحقيقُ ما قالَه في (النشرِ) مِن أنَّ تغليظَ اللامِ تسمينُها لا تسمينُ حركتِها، والتفخيمُ مُرَادِفُه، إلا أنَّ التغليظَ في اللامِ، والتفخيمَ في الراءِ، والترقيقَ ضدُّهُما، وقد يُطْلَقُ عليه الإمَالةُ مجازًا، لكنْ الصحيحُ هو الفرقُ بينهما بأنَّ الترقيقَ في الحرفِ دونَ الحركةِ، والإمَالةُ في الحركةِ دونَ الحرفِ، ثمَّ الأصلُ في الراءِ التفخيمُ على ما عليه الجمهورُ، واختارَه المكيُّ، وقالَ جماعةٌ ليسَ للراءِ أصلٌ في التفخيمِ ولا في الترقيقِ، وإنَّما يَعْرِضُ ذلكَ بسببِ حركتِها، فَتُرَقَّقُ معَ الكسرةِ لِتَسَفُّلِهَا، وتُفَخَّمُ معَ الفتحةِ والضمَّةِ لِتَصَعُّدِهُمَا، فإذا سَكَنَتْ جُرَّتْ على حكمِ المجاورِ لها، وأيضًا فقدْ وجَدْناها تُرَقَّقُ مَفْتُوحةً

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت