فهرس الكتاب
مضمومةً إذا تقدَّمَها كسرةٌ أو ياءٌ ساكنةٌ، فلو كانتْ في نفسِها مُسْتَحِقَّةً للتفخيمِ لبَعُدَ أنْ يَبْطُلَ ما تَسْتَحِقُّهُ في نفسِها بسببٍ خارجٍ عنها، كما كانَ ذلكَ في حروفِ الاستعلاءِ، إلا أنَّ المُعْتَمَدَ هو الأَوَّلُ، ولهذا لم يَتَعَرَّض الناظمُ لذكرِ أسبابِ تفخيمِها، وقد صرَّحَ الشاطبيُّ رحمَهُ اللهُ بهذا المضمونِ في قولِه:
وفيما عَدَا هذا الذي قد ذكرتُه ... على الأصلِ بالتفخيمِ كُنْ مُتَعَمِّلًا
فلا تُرَقِّقْ إلا لمُوجِبٍ، وذلكَ إذا كانتْ مكسورةً كسرةً لازمةً مثلَ (رجال) و (الْغَارِمِينَ) و والْفَجْرِ وليالٍ عَشْرٍ {و (بالصبرِ) ، أو عارضةً مثلَ} أَنْذِرِ الناسَ {و} انْحَرْ إنَّ {على قراءةِ وَرْشٍ، تامَّةً نحو (رِزْقًا) و (اذْكُرِ اسْمَ) ، أو مُبَعَّضَةً بالاختلاسِ نحوَ (أَرِنِي) ، أو مُمَالَةً أو لا نحوَ (رأى) ، أو وَسَطًا نحو (الذِّكْرَى) ، أو طَرَفًا نحوَ (عَذَابُ النارِ) ، أو وصلًا نحوَ (ذِكْرَى الدارِ) ، أو منوَّنةً نحوَ (ذِكْرًا) أو غيرَ مُنَوَّنَةٍ نحوَ (البُشْرَى) سَكَنَ ما قبلَها كما تقدَّمَ مثالُها، أو تَحَرَّكَ ما قبلَها بأيِّ حركةٍ، سواءٌ وقعَ بعدَ الراءِ حرفٌ مُسْتَفِلٌ كما سبقَ، أو مُسْتَعْلٍ كما في (الرقابِ) و (رزقًا) سواءٌ كانَ في الاسمِ والفعلِ، وكذلكَ إذا كانت الراءُ ساكنةً بعدَ الكسرِ فإنَّها تُرَقَّقُ إذا كانَ سكونُها لازمًا نحوَ (فرعون) و (مرية) أو عارضًا نحوَ (وما يُشْعِرُكُمْ) على قراءةِ الإسكانِ، تكونُ الراءُ مُتَوَسِّطَةً كما سبقَ أو مُتَطَرِّفَةً وصلًا وَوَقْفًا نحوَ (أَنْذِرِ النَّاسَ) إنْ كانَ قبلَها كسرةٌ مُتَّصِلَةٌ حقيقةً، أو حُكْمًا لازمةً كمَا تقدَّمَ وليسَ بعدَها حرفُ استعلاءٍ مُتَّصِلٌ احترازًا عن نحوِ} أَنْذِرْ قَوْمَك {َ و} لا تُصَعِّرْ خَدَّكَ {و} فَاصْبِرْ صبرًا جميلًا مباشرٌ بأنْ لا يكونَ بينَ الكسرةِ والراءِ حركةٌ أخرى في الفعلِ نحوَ (اسْتَغْفِرْ) والاسمُ العربيُّ نحوَ (الْإِرْبَةُ) والأعجميُّ نحوَ (فرعونُ) ، وجملةُ الكَلَامِ وزُبْدةُ المرامِ أنَّ شرطَ المُؤَثِّرِ أنْ تكونَ كسرةً مُتَّصِلَةً لازمةً، ووجهُ اشتراطِ اللزومِ والاتصالِ في الترقيقِ هو تقويةُ السببِ، لِيَتَمَكَّنَ مِن إخراجِها عن أصلِها، فالمُتَّصِلُ اللازمُ ما كانَ على حرفٍ أصليٍّ، وهو ظاهرٌ، أو يُنَزَّلُ منزلةَ الأصليِّ (كمِحْرابٍ) (مِرْفَقًا) بكسرِ الميمِ الزائدةِ على أصلِ الكلمةِ؛ لأنَّهُمَا مِن جملةِ: مِفْعَالٍ ومِفْعَلٍ.
قالَ ابنُ شُرَيْحٍ: وكثيرٌ مِن القُرَّاءِ يُفَخِّمُ الساكنةَ بعدَ الميمِ الزائدةِ نحوَ (مِرْفَقًا) ، وأمَّا المُتَّصِلُ العارضُ فهو ما دخَلَ على كلمةِ الراءِ ولم يَنْزِلْ مَنْزِلَةَ الجزءِ منها، وهو الذي لا يُخِلُّ إسقاطُه بها، كما في باءِ الجرِّ ولامِه، وكهمزةِ الوصلِ نحوَ (ارْكَبُوا) و (ارْتابُوا) في الابتداءِ، وأمَّا المُنْفَصِلَةُ العارضةُ فهو ما كانتْ في كلمةٍ مُنْفَصِلَةٍ إعرابًا، وعروضُها للساكنينِ وصلًا نحوَ: (إنِ ارْتَبْتُمْ) و (لِمَنِ ارْتَضَى) أو لبناءٍ نحوَ: (يابُنَيِّ ارْكَبْ) بكسرِ التحتيَّةِ، فإنَّ أصلَه يا بني، أو للإتْباعِ نحوَ (ربِّ ارْجِعُونَ) فإنَّ أصلَه ربي، فكسرُ الباءِ لمناسبةِ الياءِ ومتابعتِها في البناءِ، وأمَّا المُنْفَصِلَةُ اللازمةُ قبلَ راءٍ ساكنةٍ فهو ما كانتْ في كلمةٍ أخرى لازمةٍ البناءَ على الكسرِ نحوَ (الذي ارْتَضَى) عندَ الكُلِّ وَمَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ لوَرْشٍ، قالَ النُّوَيْرِيُّ: ولا ثانيَ له، وقال ابنُ المصنِّفِ وتبِعَه غيرُه: والمُنْفَصِلَةُ اللازمةُ لم تَجِيءْ في القرآنِ قبلَ راءٍ ساكنةٍ، لكن فيه نظرٌ ظاهرٌ؛ لوجودِ ما سبقَ، اللهمَّ إلا أنْ يُرَادَ المُتَّفَقُ عليها، وأنَّهُ جعلَ كسرةَ (الذي) كسرةَ إتباعٍ، ولذا فتحَ في (اللذانِ) لكنَّه يخالفُ ما ذكرَه شرَّاحُ الشاطبيَّةِ في قولِه:
وما بعدَ كسرٍ عارضٍ أو مُفَصَّلٍ فَفَخِّمْ فهذا حُكْمُهُ مُتَبَذِّلًا