فهرس الكتاب
كلماتِ"قِظْ خُصَّ ضَغْطٍ"مثلَ (قائمًا) و (الظالمينَ) و (خالدينَ) و (صادقينَ) و (الضَّالِّينَ) و (الغَارِمِينَ) و (الطَّامَّةُ) وأمرَ بتخصيصِ حروفِ الإطباقِ الأربعةِ مِن جملتِها, وهي الصادُ والطاءُ مُهْمَلَتَيْنِ، ومُعْجَمتينِ، وبينهما عمومٌ وخصوصٌ مُطْلَقٌ، إذ كُلُّ مُطْبَقَةٍ مُسْتَعْلِيَةٌ، ولا كُلُّ مستعليَةٍ مطبقةٌ، فأتَى بمثالينِ؛ مثالٌ لحرفِ الاستعلاءِ غيرِ المُطْبَقِ وهوَ القافُ في (قالَ) ، ومثالٌ لحرفِ الاستعلاءِ المُطْبَقِ وهوَ الصادُ في (العصا) ، قالَ ابنُ المُصَنِّفِ وَتَبِعَه غيرُه: والألفُ واللامُ للعهدِ أي: العصا المذكورةُ في قولِه {اضربْ بعصاكَ} ا. هـ. وفيه بحثٌ لا يخفى فإنَّ الحُكْمَ شاملٌ له ولغيرِه أيضًا، مِن قولِه تعالى حكايةً عن موسى قالَ هَيَ عَصَايَ {وقولُه تعالى} فَأَلْقَى عَصَاهُ {وأيضًا قولُه تعالى} وعصى آدمُ ربَّه فالصحيحُ أنَّ اللامَ للجنسِ الاستغراقيِّ الشاملِ لمادَّتَي هذا اللفظِ من الواويِّ واليائيِّ، وأمَّا صادُ غيرِ هذا البناءِ فَيُعْلَمُ حكمُه مِن قولِه: نحوَ العصَا؛ إذ هو مَعْطُوفٌ على قالَ بكُلِّ حالٍ، نعم لو قالَ معَ عصا بالألفِ أو الياءِ لَطابقَ ألفاظَ التنزيلِ , وهو أوفقُ في مقامِ التمثيلِ وأمَّا قولُ زكريَّا: لِكونِها أقوى، فلا دلالةَ على تقديرِه في المبنى، فلا يَتَعَدَّى على ما قدَّمْنَاه في المعنى، غايتُه أنَّ الباءَ في (أقوى) محذوفةٌ على حدِّ قولِ القائلِ: تَمُرُّونَ الديارَ، أي تَمُرُّونَ بِها. ثمَّ اعلمْ أنَّ في إتيانِ المثالينِ المُتَقَدِّمَيْنِ نُكْتَةً بَدِيعَةً وَحَكْمَةً مَنِيعَةً، وهي أنَّ الصادَ المُهْمَلَةَ معَ قُوَّتِهَا أضعفُ حروفِ الإطباقِ؛ لأنَّه مهموسٌ، والقافُ أقوى من باقي حروفِ الاستعلاءِ , هذا وحروفُ الاستعلاءِ بحسبِ القوَّةِ والضعفِ الناشئتينِ من اختلافِ أحوالِها ثلاثةُ أضربٍ عندَ ابنِ الطحَّانِ الأندلسيِّ: الأَوَّلُ: ما يَتَمَكَّنُ فيه التفخيمُ، وهو ما كانَ مَفْتُوحًا. الثاني: ما كانَ دونَه وهو المضمومُ، والثالثُ: ما كانَ دونَه أيضًا وهوَ المكسورُ، وعندَ المُصَنِّفِ على خمسةٍ: ما كانَ بعدَه ألفٌ، ثمَّ ما كانَ مفتوحًا مِن غيرِ ألفٍ بعدَها، وهذانِ النوعانِ مُنْدَرِجَانِ تحتَ جنسٍ أَوَّلِ الثلاثةِ، ثمَّ ما كانَ مَضْمُومًا، ثمَّ ما كانَ ساكنًا ثمَّ ما كانَ مَكْسُورًا.
(وبيِّن الإطباقَ مِن أَحَطْتُ معَ بَسَطْتَ والخلْفُ بنَخْلُقْكم وَقَعْ)
أَمَرَ ببيانِ صفةِ إطباقِ الطاءِ مِن قولِه تعالى حكايةً عن الْهُدْهُدِ أحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ {ومِن قولِه تعالى:} لَئِن بَسَطْتَ إليَّ يَدَك {َ لئلَّا تَشْتَبِهَ الطاءُ المُطْبَقَةُ المُسْتَعْلِيَةُ الجَهْريَّةُ بالتاءِ المُنْفَتِحَةِ المُسْتَفِلَةِ المَهْمُوسَةِ المُدْغَمَةِ، كَمَا هو أصلُ القاعدةِ في إدغامِ الحروفِ المُتَقَارِبَةِ وكذا الحُكْمُ في قولِه:} فَرَّطْتُ في جنبِ اللهِ {ثمَّ أخبرَ أنَّ الاختلافَ وقعَ بينَ أهلِ الأداءِ مِن المشايخِ في إبقاءِ صفةِ استعلاءِ القافِ معَ الإدغامِ في قولِه تعالى} ألمْ نَخْلُقْكُمْ مِن ماءٍ مَهِينٍ وفي ذهابِها معَه، معَ اتِّفَاقِهمَ على الإدغامِ، قالَ ابنُ المصنِّفِ: وكِلَاهما جائزانِ، وذِهَابُها أَوْلَى. وقالَ الناظمُ في كتابِ التمهيدِ: والأَوَّلُ مذهبُ المكيِّ وغيرِه، والثاني مذهبُ الدانيِّ ومَن وَالَاهُ، ثمَّ قالَ: قلتُ: كَلَامُها حسنٌ، وبالأَوَّلِ أخذَ البصريُّونَ، وبالثاني أخذَ الشاميُّونَ، واختياري الثاني، وِفَاقًا للدانيِّ. وقالَ في النشرِ: الإدغامُ المحضُ أصحُّ روايةً وأَوْجَهُ قياسًا. أقولُ ولهذا لم يَلْتَفِت الشاطبيُّ لهذا الخلافِ أصلًا، ولعلَّه أرادَ بالقياسِ إجماعَهم على إدغامِ القافِ في الكافِ للسُّوسِيِّ إدغامًا مَحْضًا، معَ وجودِ تَحَرُّكِ القافِ وَتَعَدُّدِ الكلمتينِ، فمعَ السكونِ واتِّحَادِ الكلمةِ بالأُولَى. ثمَّ اعلمْ أنَّ الإدغامَ على قسمينِ: إدغامٌ تامٌّ وهو: إدراجُ الأَوَّلِ في الثاني ذاتًا وصفةً، مثلَ قالَتْ طائفةٌ، وإدغامٌ ناقصٌ وهو إدراجُ الأَوَّلِ في الثاني ذاتًا لا صفةً، وإدغامُ (أَحَطْتَ) ونظائرِه مِن قبيلِ الناقصِ، وأيضًا قُوَّةُ الطاءِ وَضَعْفُ التاءِ يمنعُ الإدغامَ الكاملَ، ولولا التجانُسُ لم يَسُغ الإدغامُ أصلًا؛ لأنَّ القويَّ لا يُدْرَجُ في