الصفحة 43 من 105

الضعيفِ، بخلافِ العكسِ، نحوَ فآمَنَتْ طائفةٌ {حيثُ أجمعُوا فيه على الإدغامِ الكاملِ كما أجمعُوا في نحوِ أَحَطْتُ} على الإدغامِ الناقصِ، ثمَّ ما وقعَ في عبارةِ بعضِهم مِن إظهارِ القافِ في (نَخْلُقْكُمْ) فذلكَ خطأٌ محضٌ، اللهمَّ إلا أنْ يُحْمَلَ على إظهارِ صفةِ استعلائِها لا على إظهارِ الحرفِ ذاتِه، فَعُلِمَ أنَّ ما ذكرَه ليسَ بإدغامٍ محضٍ ولا إظهارٍ محضٍ، بل حالةً بينَهما، فهو بالإخفاءِ أشبهُ، فيكونُ نظيرَ ما قالَ الشاطبيُّ رحمَهُ اللهُ.

وإدغامُ حرفٍ قبلَه صحَّ ساكنٌ ... عسيرٌ وبالإخفاءِ طَبَّقَ مِفْصَلا

وإنَّما وقعَ الخلافُ في القافِ دونَ الطاءِ؛ لأنَّ الإطباقَ أقوى مِن الاستعلاءِ فيجبُ إبقاءُ الأَوَّلِ دونَ الثاني، وأمَّا ما ذكرَه الرُّومِيُّ مِن أنَّهُم فرَّقُوا بينَ (بَسَطْتَ) و (نَخْلُقْكُمْ) بأنَّ إعطاءَ صفةِ الاستعلاءِ في الأَوَّلِ بزيادةِ الطاءِ قبلَ التاءِ المُشَدَّدَةِ، وفي الثاني بلا زيادةِ القافِ، فلم نرَ في الكُتُبِ المَنْسُوبَةِ إليهم، ولا سَمِعْنا مِن المشايخِ الذين قَرَأْنَا عليهم , وحقَّقْنا وجوهَ القراءةِ لديهِم،

ثُمَّ ما ذكرَه مِن تلقاءِ نفسِه مِن وجهِ الفرقِ بينهما فممَّا لا يُلْتَفَتُ إليه ولا يُعَوَّلُ عليه، ثمَّ رأيتُ مَنْشَأَ وَهْمِه كَلَامَ ابنِ الحاجبِ مِن غيرِ فهمِه حيثُ اسْتَشْكَلَ الإدغامَ بأنَّ الإطباقَ صفةٌ للمُطْبَقِ ولا يتأتَّى إلا به فلو بَقِيَ الإطباقُ معَ الإدغامِ لَلَزِمَ اجتلابُ طاءٍ أخرى لِتُدْغَمَ في التاءِ غيرِ الطاءِ التي قامَ بها وصفُ الإطباقِ، وفي ذلكَ جمعٌ بينَ ساكنينِ فإذا نحوَ (فَرَّطْتُ) بالإطباقِ ليسَ فيه إدغامٌ حقيقةً، ولكنَّه لَمَّا اشتدَّ التقاربُ وَأَمْكَنَ النطقُ بالثاني بعدَ الأَوَّلِ مِن غيرِ نقلِ اللسانِ أَطْلَقْنَا عليه الإدغامَ مَجَازًا؛ لكونِ ذلك النطقِ كالنطقِ بالمثلِ بعدَ المثلِ، على ما ذكرَه الجَارَبَرْدِيُّ وغيرُه، وفَرْقٌ بينَ الإطباقِ والغُنَّةِ لا تَتَوَقَّفُ على النونِ؛ لأنَّها مِن مَخْرَجٍ غيرِ مَخْرَجِه؛ فإنَّ النونَ مِن الفمِ , والغُنَّةَ مِن الخيشومِ، بخلافِ الإطباقِ فإنَّهُ معَ المُطْبَقِ فإخراجُه لا يتأتَّى إلا به، وأمَّا ما ذَكَرَهُ المصريُّ بقولِه: وَأُجِيبَ بأنَّ القُرَّاءَ نصُّوا على أنَّ في نحوِ (فَرَّطْتُ) تشديدًا، ولا يمتنعُ إبقاءُ الإطباقِ في الطاءِ قائمًا بمحضِ صوتِ الطاءِ؛ لأنَّ الطاءَ لم تستكملْ إدغامَه في التاءِ ولا يلزمُ اجتلابُ طاءٍ أخرى ولا جمعٌ بينَ ساكنينِ وعلى هذا فقياسُه على الغُنَّةِ مستقيمٌ. ا هـ. فلا يخفى ما فيه من المُصَادَرَةِ، بل ما في مُعَارضتِه مِن المكابرةِ ثمَّ قولُه: إذا سَكَنَتِ الطاءُ وأتَى بعدَها تاءٌ وجبَ إدغامُها إدغامًا غيرَ مُسْتَكْمَلٍ، بل يبقى معَه صفةُ الإطباقِ لقُوَّةِ الطاءِ وضعفِ التاءِ، فيتعيَّنُ على المُجَوِّدِ أنْ يُوَفِّيَها حقَّها لاسيَّما إذا كانتْ مشدَّدَةً نحوَ (اطَّيَّرْنَا) و (أنْ يَطَّوَّفَ) ففيه أنَّ المثالينِ الأخيرينِ ليسا ممَّا نحنُ فيه بلْ مِن قبيلِ (ودَّتْ طائفةٌ) حيثُ أجمعُوا على أنَّهُ مِن الإدغامِ الكاملِ، وأنَّ أصلَهما اتطَيَّرْنَا و (يَتَطَوَّفَ) فَأُعِلَّا بإعلالٍ حُقِّقَ في مَحَلِّهِمَا، فهو مِن بابِ إدغامِ الأضعفِ في الأقوى؛ ليصيرَ مثلَه في القوَّةِ، بخلافِ نحوِ (أَحَطْتُ) فإنَّه مِن بابِ إدغامِ الأقوى في الأضعفِ، فيمتنعُ اندراجُه فيه بالكُلِّيَّةِ، وبه يحصلُ الفرقُ في هذه القضيَّةِ على قواعدِ العربيَّةِ، وقالَ بعضُهم: ومِن العربِ مَن يُبْدِلُ التاءَ طاءً ثمَّ يُدْغِمُ إدغامًا مُسْتَكْمَلًا، فيقولُ (أَحَطْتُ) و (فَرَّطْتُ) بطاءٍ واحدةٍ مُشَدَّدَةٍ مُدْغَمَةٍ، قالَ شريحٌ: وهذا ممَّا يجوزُ في كَلَامِ الخلقِ لافي كَلَامِ الخالقِ عزَّ وجلَّ / ا هـ. لأنَّ كَلَامَ اللهِ لا يجوزُ فيه التصرُّفُ على خلافِ ما ثَبَتَ عن رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالطرقِ المتواترةِ في القِرَاءاتِ المُشْتَهِرَةِ، وأمَّا في كَلَامِ المَخْلُوقِينَ فَيُتَوَسَّعُ بكُلِّ ما جاءَ مِن اللغةِ، وبهذا يتبيَّنُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت