الصفحة 44 من 105

أنَّهُ لم يَرِدْ في لغةٍ إبدالُ الطاءِ تاءً وإدغامُها فيها، فيَجِبُ الاحْتِرَاسُ عنها. (واحرِصْ) بكسرِ الراءِ (على السُّكُونِ في جَعَلْنَا) أي: في لامِ جَعَلْنَا؛ إذ كُلُّ سكونٍ لابدَّ مِن الحرصِ على بيانِه، وكذا الحركةُ، إلا أنَّهُ خَصَّ لامَ (جَعَلْنَا) لئلَّا تصيرَ مُدْغَمَةً ولا مُتَحَرِّكَةً، فحينئذٍ يتغيرُ المعنى باختلافِ المبنى كما لا يَخْفَى، ونحوَه (أَنْزَلْنَا) وكذا (قُلْنَا) ممَّا فيه اللامُ ساكنةٌ وبعدَها نونٌ، فيجبُ التحفُّظُ بإظهارِها معَ رعايَةِ سكونِها، قالَ المصريُّ: لا كما يفعلُه بعضُ الأعاجمِ مِن قصدِ قَلْقَلَتِهَا. قلتُ: اللامُ ليسَ مِن حروفِ القلقلةِ فإنَّ حروفَها"قُطْبَ جَدٍّ"لا حروفُ القلقلةِ كما توهَّمَ المصريُّ مِن الذهولِ والغفلةِ (انْعَمْتَ والْمَغْضُوبِ معَ ضَلَلْنَا) أي: وكذا كنْ حريصًا على بيانِ سكونِ نونِ (أنعمتَ) وَمِيمِهَا، وغينِ المغضوبِ، ولامِ الثانيَةِ مِن (ضَلَلْنَا) َ، ليُتَحَرَّزَ مِن تَحْرِيكِها، كما يفعلُه جهلةُ القُرَّاءِ؛ فإنَّ ذلكَ مِن فظيعِ اللحنِ عندَ العلماءِ، و (ضَلَلْنَا) بالضادِ ثابتٌ في القرآنِ عندَ قولِه: وقالَوا أَئِذَا ضَلَلْنَا في الْأَرْضِ وأمَّا (ظَلَلْنَا) بالظاءِ المُشَالَةِ فلم يوجدْ فيه مُخَفَّفَةٌ، ولا ضرورةَ بالإتيانِ بها , والقولُ بتخفيفِها للوزنِ، ولا يَغُرَّنَّكَ كثرةُ النسخِ عليها وإشارةُ بعضِ الشرَّاحِ إليها، واقتصرَ ابنُ المصنِّفِ على نونِ (أنْعَمْتَ) وتِبعَه الشرَّاحُ، فالحكمُ يشملُ الميمَ على حسبِ التعميمِ، نعمْ في معنى نونِ (أنعمتَ) كُلُّ نونٍ ساكنةٍ بعدها حرفٌ مِن حروفِ الْحَلْقِ كـ (يَنْأَوْنَ) و (مَنْ آمَنَ) و (منْه) و (إنْ هُوَ) و (تَنْحِتونَ) و (مَن حادَّ اللهَ) و (يَنْعِقُ) و (منْ علمَ) و (ينغضونَ) و (عذابٌ غليظٌ) و (المُنْخَنِقَةُ) و (مِنْ خوفٍ) ونحوَ ذلكَ، ثمَّ لا يسكتُ على النونِ سكتةً لطيفةً كأنَّهُ يريدُ بها إيضاحَ إظهارِها, وأنَّهَا لاغُنَّةَ فيها؛ فإنَّ ذلكَ خطأٌ محضٌ لا يفعلُه إلا الجهلةُ مِن القُرَّاءِ, في معنى غينِ (المغضوبِ) (ضِغْثًا) و (بَغْيًا) و (أَفْرِغْ علينا) و (أغنى) و (يُغْشَى) وعلَّلَ المصنِّفُ في التمهيدِ إظهارَ الغينِ الساكنةِ عندَ الشينِ مِن (يغشى) بقولِه: لئلَّا يَقْرَبَ مِن لفظِ الخاءِ، لا شتراكِهما في الهمسِ والرَّخاوةِ.

(وَخَلِّصِ انْفِتَاحَ مَحْذُورًا عسىَ خَوفَ اشْتِبَاهِهِ بِمَحْظُورًا عَصَى)

أي بَيِّنْ ومَيِّزْ صفةَ الانفتاحِ عن الاطِّبَاعِ في نحوِ (مَحْذُورًا) عندَ قولِه: إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا {وفي نحوِ} عسى أنْ يبعثَكَ ربُّكَ مقامًا محمودًا {لئلَّا يشتبهَ الذالُ بالظاءِ في قولِه:} وَمَا كانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا {والسينُ بالصادِ في قولِه تعالى} وَعَصَى آدمُ ربَّهُ فَغَوَى فإنَّ كُلًّا مِن الذالِ والظاءِ مِن مَخْرَجٍ واحدٍ، وكذلكَ السينُ والصادُ، وإنَّما يتميَّزُ كُلٌّ مِن الآخرِ بتمييزِ الصفةِ، فالذالُ والسينُ مُنْفَتِحَتَانِ، والظاءُ والصادُ مُطْبَقَتَانِ، فينبغي أنْ يَخْلُصَ كُلُّ واحدٍ مِن الآخرِ بانفتاحِ الفمِ وانطباقِه، وما يترتَّبُ عليهما مِن ترقيقِ الأُولَيَيْنِ وَتَفْخِيمِ الأُخْرَيَيْنِ، وكذا حُكْمُ كُلِّ حرفٍ معَ غيرِه إذا كانا مُتَّحِدي المَخْرَجِ مُخْتَلِفِي الصفةِ، ثمَّ الضميرُ في (اشتباهِه) راجعٌ إلى الحرفِ المُنْفَتِحِ بقرينةِ التامِّ، أو تقديرُه:

خوفُ اشتباهِ كُلِّ واحدٍ مِن (مَحذورًا) وعسى بمحظورًا وعصىَ، أو خوفُ اشتباهِ المذكورِ. كذا ذكرَه الشرَّاحُ على اختلافِ اختيارِ كُلٍّ منهم، والأظهرُ أنَّ ضميرَه راجعٌ إلى الانفتاحِ، أي: مَخَافَةَ اشتباهِ انفتاحِ محذورًا وعسى بإطباقِ محظورًا وعصى, ووجهُ الأظهريَّةِ أنَّ محلَّ الاحتياجِ في صحَّةِ الحملِ إلى التقديرِ وهو الثاني دونَ الأَوَّلِ فتأَمَّلْ (وراعِ شِدَّةً) أي: كائنةً (بكافٍ) أي: في كافِ (وبتا) بالقصرِ على وقفِ حمزةَ في الهمزةِ لا كما قالَ الروميُّ: إنَّهَا للضرورةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت