فهرس الكتاب
فخطأٌ فاحشٌ؛ لأنَّه لو كانَ مبتدًأ لرُفِعَ بالألفِ وقيلَ أو لا مثلَ وجنسَ وكأنَّهُ تَصَحَّفَ عليه كتابةُ الياءِ لقراءةِ الألفِ والمثالانِ نشرٌ مُشَوَّشٌ؛ لأنَّ بلْ لا مثالَ المثلينِ {وقلْ رَبِّ} مثالُ الجنسينِ وقولُ زكريَّا: ولو سُكُونًا عارضًا إنَّما يتمُّ به في الإدغامِ الكبيرِ كما قرأَ به السُّوسِيُّ، والظاهرُ أنَّ المصنِّفَ أرادَ بهِ الإدغامَ المُتَّفَقَ عليه مِن الإدغامِ الصغيرِ. ثمَّ اعلمْ أنَّ الحرفينِ إذا التقيا بأنْ لا يكونَ حاجزٌ بينهما، إمَّا أنْ يكونا مِثْلَيْنِ، بأن اتَّفَقَا مَخْرَجًا وصفةً، كالباءِ والباءِ، والتاءِ والتاءِ، والياءِ والياءِ، وإمَّا أنْ يكونَا متجانسينِ، بأن اتَّفَقَا مَخْرَجًا واخْتَلَفَا صفةً، كالدالِ والطاءِ والتاءِ، وكذا الذالُ والظاءُ والثاءُ، وإمَّا أنْ يكونَا مُتَقَارِبَيْنِ، بأنْ تقاربا مَخْرَجًا وصفةً، كالدالِ والسينِ، والتاءِ والثاءِ، والضادِ والشينِ، فإذا عرَفْتَ ذلكَ فاعلمْ أنَّهُم اختلفُوا في اللامِ والراءِ والنونِ، أنَّهَا مِن مَخْرَجٍ واحدٍ، وهو مختارُ الفَرَّاءِ، أو لكُلِّ واحدٍ منها مَخْرَجٌ على حِدَةٍ إلا أنَّ بينَها قُرْبَ المَخْرَجِ، وعليه الجمهورُ مِن النحَاةِ، وهو مختارُ سيبويهِ، واختارَه المصنِّفُ تبعًا للشاطبيِّ رحمَهُما اللهُ، لكنَّ كَلَامَه هنا خلافُ ما سبقَ عنه أولًا، فإنَّه جعلَ اللامَ والراءَ مِن قبيلِ الجنسينِ، فلو قالَ: (وقَرُبَ موضعُ جنسٍ) ليشملَ المذهبينِ، كما عبَّرَ به الشاطبيُّ في إدغامِ المُتَقَارِبَيْنِ، وأمَّا ما اعتذرَ عنه المصريُّ بقولِه: ولعلَّ الناظمَ نظرَ إلى أنَّ المُتَقَارِبَ داخلٌ في المُتَجَانِسِ بخلافِ عَكْسِه، فلا يصحُّ للاتفاقِ على عَكْسِه. والحاصلُ أنَّهُ إذا التقى المِثْلَانِ أو الجنسانِ وَسُكِّنَ الأَوَّلُ منهما أُدْغِمَ الأَوَّلُ في الثاني، نحوَ بلْ لا يَخَافُونَ {و} قلْ لَهُمْ {و} هلْ لَكُمْ {و} قلْ رَبِّ {و} بلْ رَانَ {عندَ مَن لم يَسْكُتْ على اللامِ، وكذا سائرُ الحروفِ، نحوَ} كمْ مِن قَرْيَةٍ {و} اذهبْ بِكِتَابِي {و (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) و (أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ) وأمثالِه. ثمَّ اعلمْ أنَّ ما ذكرَه المصنِّفُ في المِثْلَيْنِ فهو على عمومِه عندَ جميعِ القُرَّاءِ، وأمَّا ما أطلَقَه في المُتَجَانِسَيْنِ فليسَ على ظاهرٍ ممَّا يُتَوَهَّمُ فيه مِن اتِّفَاقِ (أهلِ) الأداءِ؛ فإنَّ منهما ما اتفقُوا عليه، ومنهما ما اختلفُوا فيه، كما يُعْرَفُ ممَّا ذكرَه الوليُّ الشاطبيُّ في بابِ حروفٍ قَرُبَتْ مَخَارِجُها مِن جملتِها الراءُ عندَ اللام ِ عكسَ ما ذكرَه المصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ مِن إدغامِِ اللامِ في الراءِ، فإنَّهُما معَ كونِهما مِن المُتَجَانِسَيْنِ أو المُتَقَارِبَيْنِ اخْتَلَفَ حكمُهما، حيثُ وقعَ الاختلافُ في الثاني دونَ الأَوَّلِ، فتأَمَّلْ، نعمْ إذا كانَ الأَوَّلُ مِن المُتَمَاثِلَيْنِ حرفَ مدٍّ فإنَّه يظهرُ بلا خلافٍ عندَ الياءِ والواوِ، كما أشارَ إليه في قولِه (وأَبِنْ في يومِ) بتركِ التنوينِ ضرورةً (معَ قالُوا وَهُم) فإنَّ الياءَ المَدِّيَّةَ مِن نحوِ} في يومٍ كانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألفَ سَنَةٍ {ونحوِه} الذي يُوَسْوِسُ {والواوَ المَديَّةَ منِ نحوِ} قالُوا وَهُمْ فِيَها يَخْتَصِمُونَ {ونحوَ} آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ { (لاتُدْغَمَانِ) في مثلِها المعنى الأعمُّ؛ إذَ لا يُتَصَوَّرُ اجتماعُ المَدِّيَّيْنِ حتى يقالَ لا يُدْغِمُ، فافهمْ؛ ولذا قالُوا في التعليلِ: مُحَافَظَةً على المدِّ؛ لئلَّا يذهبَ بالإدغامِ، بخلافِ ما إذا كانَ الأَوَّلُ مِن المُتَمَاثِلَيْنِ حرفَ لينٍ فَإنَّهُ يُدْغَمُ كما هو داخلٌ تحتَ الحُكْمِ العامِّ، نحوَ} آوَوْا وَنَصَرُوا {فقولُه (أَبِنْ) بحسبِ المعنى، استثناءً من القاعدةِ المُتَقَدِّمَةِ في المَبْنَى، وأمَّا قولُ الروميِّ: اللهمَّ إلا أنْ يكونَ المُتَمَاثِلَانِ أو المُتَجَانِسَانِ، حرفَ مدٍّ فغيرُ صحيحٍ، ثُمَّ قولُه (وقلْ نَعَمْ سَبِّحْهُ لَاتُزِغْ قُلُوبَ فَالْتَقَمَ) استثناءٌ من إدغامِ المتجانسينِ، فيجبُ إظهارُ اللامِ الساكنةِ عندَ النونِ نحوَ (قلْ نَعَمْ) معَ أنَّهُما متجانسانِ أو مُتَقَارِبَانِ؛ لأنَّ النونَ لا يُدْغَمُ فيها شيءٌ ممَّا أُدْغِمَتْ هي فيه مِن حروفِ (يَرْمَلُونَ) كذا أطلقُوه ومرادُهم سوى النونِ، وأمَّا قولُ الرُّومِيِّ: ولم يَدْغِم اللامَ الساكنةَ في النونِ معَ تَقَارُبِهِمَا أو تَجَانُسِهِمَا بِناءً على أنَّ النونَ لمَّا لمْ تُدْغَمْ في اللامِ مِن الحروفِ كالميمِ والواوِ والياءِ حصلَ بينَ اللامِ والنونِ وَحْشةٌ ونفرةٌ بذلكَ فلم تُدْغَم اللامُ فيها، إلا ما رُوِي عن الكِسائيِّ من إدغامِ هلْ وبلْ خاصَّةً في الإدغامِ الصغيرِ، نحوَ} بلْ نَتَّبِعُ {و} هلْ