فهرس الكتاب
الجَفَاءُ والغِلَاظَةُ ففي القرآنِ موضعٌ واحدٌ في آلِ عمرانَ {ولو كُنْتَ فَظًّا} ولم يذكرْهُ ابنُ المصنِّفِ، وليسَ منه قولُه {لانْفَضُّوا مِن حولِكَ} وقولُه {انْفَضُّوا إِلَيْهَا} أي: تَفَرَّقُوا، وأمَّا بابُ (النظرِ) بجميعِ أنواعِ تصرُّفِه فستَّةٌ وثمَّانونَ مَوْضِعًا. أَوَّلُها قولُه تعالى في البقرةِ {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} لكن اسْتُثْنِيَ منه ثلاثةُ مواضعَ، فلا يُتَوَهَّمُ أنَّهَا منه في بادئِ النظرِ بقولِه: (إلا بويلٍ هلْ وأُولِى نَاضِرَه)
إلا قولَه تعالى {نَضْرَةَ النعيمِ} في سورةِ ويلٌ للمُطَفِّفِينَ، وقولَه سبحانَه وتعالى {ولَقَّاهُم نَضْرَةً وَسُرُورًا} في سورةِ هلْ أتى على الإنسانِ، وقولَه {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إلى ربِّها نَاظِرَةٌ} في سورةِ القيامةِ، فإنَّ هذه الثلاثةَ الضادُ مِن النضارةِ وهي الحُسْنُ والبهجةُ، ونَضُرَ ككَرُمَ وفَرُحَ، ونَضُرَ بمعنى نَعِمَ، والتشديدُ للتعديةِ، أو للتقويةِ، ورُوِيَ بهما حديثُ (نَضَّرَ اللهُ امرءًا سَمِعَ مقالَتي فَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا كما سمِعَها) واحْتُرِزْ بالأُولَى عن الثانيَةِ وهو قولُه {إلى ربِّها نَاظِرَةٌ} فإنَّها بالظاءِ، ثمَّ (النَّظَرُ) بالظاءِ سواءٌ كانَ بمعنى الرؤيةِ نحوَ {وأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} و {تَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ} وهذا يتعدَّى بإلى، أو بمعنى الفكرِ لكنَّه متعدٍّ بفي، نحوَ قولِه تعالى {أَوَ لَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّمَواتِ} فقولُ زكريَّا: وجميعَ النظرِ بمعنى الرؤيةِ ففيه نظرٌ (والغيظُ لا الرعدُ وهودٌ قاصِرَهُ) أي وجميعُ موادِّ (الغيظِ) وهو غضبٌ كما مَن للعَجْزِ، وأصلُه فورانُ حرارةِ القلبِ، فوقعَ منه في القرآنِ أحدَ عشرَ مَوْضِعًا، وأَوَّلُها في آلِ عمرانَ {عَضُّوا عَلَيْكُم الأناملَ مِن الغيظِ} ويُشْبِهُ هذا اللفظَ في المبنى لكنَّه مغايرٌ له في المعنى حرفانِ: أحدُهما في سورةِ هودَ {وَغِيضَ الماءُ} وثانيهما في سورةِ الرعدِ {وما تَغِيضُ الأرحامُ وما تَزْدَادُ} فكِلَاهما بالضادِ؛ لأنَّ معْناهما النُّقْصَانُ، وهوَ لازمٌ ومتعدٍّ، لا من الغيظِ، فأشارَ باستثنائِهما منقطعًا بقولِه (لا الرعدُ وهودُ) أي: ليسَ الواقعُ فيها من هذا البابِ؛ فإنَّ ضادَهما قاصرةٌ، أو حالَ كونِ ضادِهما قاصرةً، لا ظاءً مُشَالَةً، فالمعنى قَصْرُ ألفِ ظائِهما فصارا ضادًا في تلفُّظِهِمَا، وذلكَ لأنَّ الضادَ بخطِّ الكوفيِّ لابدَّ لَها مِن ألفٍ قصيرةٍ، دونَ ألفِ الظاءِ فإنَّها طويلةٌ في الكتابةِ، تفرقةً بينهما في الكلماتِ المُرَكَّبَةِ، وأمَّا بخطِّ غيرِهم على حسبِ العُرْفِ، فالفرقُ بينهما بزيادةِ المركزِ في الضادِ، وتركُها في الظاءِ، كما لايخفى عَلَى مَن يَعْرِفُ تحقيقَ حروفِ الهجاءِ،
وأمَّا ما ذكرَهُ الروميُّ: مِن أنَّ الناظمَ عبَّرَ عن معنى النقصانِ بالقصورِ فقصورٌ عن دَرَجِ المبنى ودَرَكِ المعنى، وأمَّا قولُ زكريَّا: قاصرةٌ عليهما، فإشارةٌ إلى أنَّ القَصْرَ بمعنى الحَصْرِِ، أي: النفيُ مُنْحَصِرٌ فيهما، ومُقْتَصِرٌ عليهما، (والحظِّ لا الحضِّ) بالجرِّ فيهما، ويجوزُ الرفعُ، خصوصًا في ثانيهما (على الطعامِ) أي: وبابُ الحظِّ بمعنى النصيبِ فسبعةُ ألفاظٍ، أَوَّلُها في آلِ عمرانَ {يريدُ اللهُ أنْ لا يجعلَ لهم حظًّا في الآخرةِ} ويُشْبِهُهُ في المبنى ويخالِفُهُ في المعنى ثلاثةُ أحرفٍ لا رابعَ لها، الأَوَّلُ قولُه تعالى {ولا يحضُّ على طعامِ الْمَسْكِينِ} في الحاقَّةِ، والثاني قولُه تعالى {ولا تَحَاضُّونَ على طعامِ الْمَسْكِينِ} على وجوهِ قراءتِه الثلاثةِ في سورةِ الفجرِ، والثالثُ {ولا يَحُضُّ على طعامِ الْمَسْكِينِ} في سورةِ الماعونِ، فإنَّها من الحضِّ بمعنى التحريضِ على فعلِ الشيءِ، واللامُ في الطعامِ للجنسِ إذا أُشِيرَ إلى ما في القرآنِ تَلْوِيحًا أو للعوضِ عن المضافِ إليه أي: على طعامِ المسكينِ إذا أُرِيدَ به ذِكْرُ ما في القرآنِ تصريحًا، والأَوَّلُ أظهرُ، فَتَأَمَّلْ وَتَدَبَّرْ (وفي ضَنِينٍ الخلافُ سامي) بإثباتِ الياءِ كقراءةِ ابنِ كثيرٍ في نحوِ باقي وواقي، ولا يبعُدُ أنْ يكونَ بإشباعِ كسرةِ الميمِ بعدَ حذفِ تنوينِها، أي: وفي قولِه تعالى: {وما هو على الغيبِ بِضَنِينٍ} في سورةِ التكويرِ المكتوبِ في مصحفِ الإمامِ بالضادِ