فهرس الكتاب
{إنَّما الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ والْمَسَاكِينِ} فمدَّها. قالَ الناظمُ: وهذا حديثٌ جليلٌ حُجَّةٌ ونصٌّ في هذا البابِ ورجالُ إسنادِه ثقاتٌ، رواه الطبرانيُّ في مُعْجَمه الكبيرِ.
ثمَّ اعلمْ: أنَّ القُرَّاءَ اختلفُوا في مقدارِ هذه المراتبِ عندَ من يقولُ بها فَقِيلَ: أولُ الرتبِ ألفٌ وربعٌ، قالَ زكريَّا: وهذا عندَ أبي عمرٍو وقالَونَ وابنِ كثيرٍ، ثمَّ أَلِفٌ ونصفٌ، ثمَّ أَلِفٌ وثلاثةُ أرباعٍ ثمَّ أَلِفَانِ، وقيلَ: أَوَّلُها أَلِفٌ ونصفٌ، ثمَّ أَلِفَانِ ثمَّ أَلِفَانِ ونصفٌ، ثمَّ ثلاثُ ألفاتٍ، وهذا هو الذي اختارَه الجُعْبُرِيُّ، وقيلَ أَوَّلُها ألفٌ ثمَّ ألفانِ، ثمَّ ثلاثٌ، ثمَّ أربعٌ، قالَ الروميُّ: وهذا مذهبُ الجمهورِ. ولا يَخْفَى عليكَ أنَّ المرادَ بالألفِ ما عدا الألفَ الذي هو المدُّ الأصليُّ، للإجماعِ على ذلكَ، وإمَّا مَعْرفَةُ مِقْدَارِ المَدَّاتِ المُقَدَّرَةِ بالألفاتِ، فأنْ تقولَ مَرَّةً أو مرتينِ أو زيادةً وتَمُدُّ صوتَكَ بقدرِ قولِك ألفٌ ألفٌ، أو كتابتُها، أو بقدرِ عقدِ أصابعِك في امتدادِ صوتِها، وهذا كُلُّه تقريبٌ لا تحديدٌ للشأنِ، إذ لا يَضْبِطُه إلا المشافهةُ والإدمانُ.
ثمَّ وجهُ المدِّ أنَّ حرفَ المدِّ ضعيفٌ خفيٌّ، والهمزةُ حرفٌ قويٌّ صعبٌ، فزِيدَ في حرفِ المدِّ تقويةً للضعيفِ عندَ مجاروةِ القويِّ، وقيلَ ليتمكَّنَ من التلفُّظِ بالهمزةِ على حقِّها من شدَّتِها وجهرِها، ثمَّ لا يَخْفَى أنَّ المدَّ ليسَ حرفًا ولا حركةً، بل زيادةً على كميَّةِ حرفِ المدِّ إلا أنَّهَا عارضةٌ لا تقومُ إلا بها كالحركةِ عليها، وسيجيءُ زيادةُ بيانٍ لها.
(وجائزٌ إذا أتَى مُنْفَصِلا) أي: والمدُّ جائزٌ إذا جاءَ حرفُ المدِّ قبلَ الهمزةِ حالَ كونِ حرفِ المدِّ مُنْفَصِلًا عن الهمزةِ، بأن اجتمعَا في كلمتينِ، وهو أنْ يكونَ حرفُ المدِّ في آخرِ الكلمةِ الماضيةِ، والهمزةُ في أَوَّلِ الكلمةِ الآتيةِ، وقد جمعَ الشاطبيُّ أمثلتَه في قولِه: (ومفصولُه في امها أمرُه إلى) مُنَبِّهًا على أنَّ المُعْتَبَرَ في حرفِ المدِّ أنْ يكونَ مَلْفُوظِيًّا لا أنْ يوجدَ مكتوبيًّا، ومِن اللَّطافةِ ما أشارَ في العبارةِ مِن (أن) حصولَ الجمعِ بينَ المِثَالَيْنِ يُوَلِّدُ مثالًا ثالثًا، وهو وقوعُ حرفِ الألفِ قبلَ الهمزةِ، فَتَأَمَّلْ فإنه عليه المُعَوَّلُ، وإنَّما سُمِّيَ هذا المدُّ جائزًا لاختلافِ القُرَّاءِ فيه، فإنَّ ابنَ كثيرٍ والسُّوسِيَّ يَقْصُرانِه بلا خلافٍ، وقالَونُ والدُّوريُّ يَقْصُرانِه ويَمُدَّانِه، والباقونَ يَمُدُّونَه بلاخلافٍ، وتفاوُتُ هذا المدِّ المنفصلِ في الزيادةِ كتفاوتِهم فيها، كما مرَّ في المدِّ المُتَّصِلِ، وقد يقالُ: سُمِّي جائزًا؛ لأنَّه إنَّما يجوزُ مَدُّه إذا وصلَ بينَ الكلمتينِ في القِراءةِ، وأمَّا إذا وقفَ على الكلمةِ الأُولَى فلا مدَّ أصلًا كما لا يَخْفَى، وقيلَ: سُمِّيَ جائزًا لجوازِ زوالِ سببِهِ فيجوزُ قصرُه حينئذٍ كما بيَّنَاهُ، وأمَّا قولُ المصريِّ: فالجائزُ ما كانَ مدُّه جائزًا عندَ جميعِ القُرَّاءِ معَ جوازِ القصرِ، وقيلَ ما جازَ مدُّهُ عندَ جميعِ القُرَّاءِ والعبارةُ الأُولَى أَوْلَى، فلا يخفى أن كِلَيْهِما لا يصحُّ عندَ أربابِ المبنى وأصحابِ المعنى كما سبقَ مِن أنَّ المدَّ المُنْفَصِلَ يَجِبُ قصرُه عندَ بعضٍ، فلا يجوزُ مَدُّهُ عندَهم، ويجبُ مدُّه عندَ آخرينَ، فلا يجوزُ قَصْرُه عندَهم، وإنَّما جازَ الوجهانِ عندَ بعضِهم، نعم يجوزُ حملُ الجائزِ في كَلَامِه على أحدِ نوعيه وهو المدُّ العارضُ، لكن إطلاقُه في مقامِ الفرقِ بينَ الواجبِ واللازمِ خطأٌ، معَ أنَّ مؤدَّى العبارتينِ في كَلَامِه مُتَّحِدٌ، فلله درُّ القائلِ:
عِبَارَاتُنا شتَّى وحسنُك واحدٌ ... وكُلٌّ إلى ذاكَ الجمالِ يشيرُ.