الصفحة 70 من 105

فالرجلُ كحاطبِ ليلٍ، لا يفرِّقُ ما وقعَ في يدِه من حصولِ نَيْلٍ، فوجهُ المدِّ اعتبارُ اتصالِهما لفظًا في الوصلِ، واعتبارُ العارضِ كاللازمِ، ولما رُوِيَ"أنَّهُ سُئِلَ أنسٌ رَضِيَ اللهُ عنه عن قراءةِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فقالَ:"كانَ يَمُدُّ صوتَه مَدًّا"وهذا الخبرُ عامٌّ في المُتَّصِلِ والمُنْفَصِلِ وغيرِهما من أنواعِ المدِّ، كذا ذكَرَه المصنِّفُ، لكن ينبغي أنْ يُفْصَلَ ويُحْمَلَ كُلُّ موضعٍ مِن مُحالِّ المدِّ على مِقْدَارِه اللائقِ به، حتى يَشْمَلَ المدَّ الأصليَّ والفرعيَّ، والاتفاقيَّ والاختلافيَّ."

وأمَّا وجهُ القصرِ فهو إلغاءُ أثرِ الهمزةِ، لعدمِ لزومِه باعتبارِ حالِ الوقفِ؛ فإنَّ العارضَ بمنزلةِ المَعْدومِ. وأمَّا مانَقَلَ أبو عليٍّ الْأَهْوَازِيُّ عن الحلوانيِّ والهاشميِّ كِلَاهُما عن القَوَّاسِ عن ابنِ كثيرٍ في جميعِ ما كانَ مِن كلمتينِ تجويزُ البترِ، وهو حذفُ الألفِ والواوِ والياءِ، فقد قالَ أبو عمرٍو الدانيُّ: هذا مكروهٌ قبيحٌ لا يُعَوَّلُ عليه ولا يُؤْخَذُ به؛ إذ هو لحنٌ لا يجوزُ بوجهٍ ولا تَحِلُّ القِراءةُ به.

قالَ: ولعلَّهم أَرَادُوا حذفَ الزيادةِ لحرفِ المدِّ وإسقاطَها وعبَّرُوا عن ذلكَ بحذفِ حرفِ المدِّ وإسقاطِه مجازًا.

(أوعَرَضَ السُّكُونُ وقفًا مُسْجَلا) أو للتنويعِ لا للترديدِ، عاطفةٌ لما بعدَها على قولِه (أتى) أي: والمدُّ جائزٌ أيضًا إذا عرضَ السكونُ حالَ كونِ السكونِ ذا وقفٍ أو موقوفًا عليه، ومعنى (مُسْجَلا) مطلقًا بأنْ يكونَ الوقفُ بالإسكانِ، سواءٌ يكونُ معَه الإشمامُ أم لا، بخلافِ ما إذا كانَ الوقفُ بالرَّوْمِ، فإنَّهُ حينئذٍ حُكْمُهُ حكمُ الوصلِ، وسيأتي بيانُ الرَّوْمِ والإشمامِ في مَحَلِّهِما، معَ اختلافِ مَحَالِّهِما، وأمَّا عطفُ الشيخِ زكريَّا (وقفًا) على قولِه (أو إِدْغَامًا) أي: صاحبَ إدغامٍ، فلا دلالةَ عليه في كَلَامِ المصنِّفِ أصلًا، إلا أنَّهُ كالمُسْتَدْرِكِ عليه أوردَه فصلًا، ويُعْتَذَرُ عن المصنِّفِ بأنَّهُ إنَّما حصلَ هذه المقدِّمَةُ لما اتَّفَقَ عليه الأُمَّةُ أو ذهبَ إليه أكثرُ الأئمَّةِ، ثمَّ الأمثلةُ في الوقفِ العارضِ نحوَ: (الرحيمُ) و (نستعينُ) و (الصراطُ) فيجوزُ في كُلٍّ منها لكُلِّ القُرَّاءِ ثلاثةُ أوجهٍ: الطولُ، والتوسُّطُ، والقَصْرُ، فوجهُ الطولِ حملُه على اللازمِ بجامعِ اللفظِ، ووجهُ التوسُّطِ اعتبارُ سكونِ الوقفِ العارضِ مُلاحَظًا عن سكونِ اللازمِ، أو التعادلِ بينَ الحالينِ رعايةً للجانبينِ، ووجهُ القَصْرِ معَ ما ذكَرَ فيما سبقَ أنَّ الوقفَ يجوزُ فيه التقاءُ الساكنينِ مطلقًا فاسْتُغْنِيَ عن المدِّ. أقولُ: وهذه الأوجهُ الثلاثةُ تجوزُ في السكونِ العارضِ عندَ الجميعِ أيضًا، ولو كانَ بعدَ حرفِ اللينِ، نحوَ (لاخوفَ) و (لاضيرَ) إلا أنَّ الطولَ (أفضلُ ثمَّ التوسطُ، وهذا في حرفِ المدِّ، وأمَّا حرفُ اللينِ فالقصرُ أولى ثمَّ التوسُّطُ، وقالَ زكريَّا: وفي نحوِ(الرحيمِ مالكِ) في قراءةِ أبي عمرٍو أي: بروايةِ السُّوسِيِّ، ونحوَ: (ولاتَيَمَّمُوا) في قراءةِ البزيِّ يجوزُ ثلاثةُ أوجهٍ. أقولُ: فكأنَّهُم قاسُوا العارضَ في الوصلِ على العارضِ في الوقفِ، فأُعْطِي له حُكْمُهُ، فالشرطُ أنْ لا يَقِفَ على الكلمةِ الأُولَى، سواءٌ وقفَ على الأخرى أو أوصلَها بما بعدَها. فإنْ قلتَ: إنَّ ما يُفْهَمُ من قولِ الناظمِ (وجائزٌ) أنَّ المدَّ جائزٌ، وكذا قَصْرُه، بحكمِ مفهومِه، أو باعتبارِ أنَّ أحدَ الجائزينِ مدٌّ والآخرَ منهما قصرٌ، فالتوسُّطُ أمرٌ زائدٌ لا يُؤْخَذُ منه، ولا يشيرُ إليه ما يدلُّ عليه، فالجوابُ: أنَّ المُرَادَ بالمدِّ هو الحدُّ الزائدُ على القَصْرِ، وهو أعمُّ مِن أنْ يكونَ طُولًا أو توسطًا، ولهذا نصَّ المصنِّفُ على الأَوَّلِ في المدِّ المُتَّصِلِ بقولِه (بالطولِ يُمَدُّ) ؛ لئلَّا يُتَوَهَّمَ مطلقًا المدُّ الشاملُ له ولغيرِه، أو نأخذُ مِن عمومِ القصرِ الذي هو نقيضُ المدِّ ما يكونُ قصرًا حقيقيًّا أو إضافيًّا، كما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت