الصفحة 71 من 105

يُسْتَفَادُ من صنيعِ الشاطبيِّ رحمَهُ اللهُ في قولِه (بطولٍ وقصرٍ وصلُ وَرْشٍ ووقفُه) فإنَّ الإجماعَ على أنَّ مرادَه (بقصرٍ) هو التوسُّطُ، لكن لو قالَ بدلَه (ووسَطٍ) لكانَ صريحًا على المقصودِ.

ثمَّ اعْلَمْ أنَّ ههنا دقيقةً، وهي أنَّ إدخالَ الألفِ بينَ الهمزتينِ على ما هو المُقَدَّرُ عندَ بعضِ القُرَّاءِ وإنْ كانَ حرفَ مدٍّ فليسَ بموجِبٍ لزيادةِ الامتدادِ، وإن وقعَ بعدَه سببٌ مِن همزٍ مُحَقَّقٍ أو مُسَهَّلٍ، كروايةِ هشامٍ عن الإمامِ الشاميِّ في نحوِ (أأنتم) بخلافِ إبدالِ الهمزةِ الثانيَةِ ألفًا حيثُ يَتَوَلَّدُ منه المدُّ اللازمُ، والفرقُ أنَّ أصلَ هذه الألفِ موجودٌ في بنيةِ الكلمةِ، بخلافِ الأُولَى فإنَّه ليسَ له ثبوتٌ في الرسمِ أصلًا، وبهذا يتبيَّنُ أنَّ صورةَ الألفِ إنَّما هي للهمزةِ الثانيَةِ وأنَّ الأُولَى هي الساقطةُ خلافًا لِمَن خالفَ في هذه القاعدةِ.

ثمَّ اعلمْ أنَّ الألفَ مُرَكَّبٌ مِن فتحتينِ، والواوَ مُرَكَّبٌ مِن ضمَّتَينِ، والياءَ مُرَكَّبٌ مِن كسرتينِ، فإذا أَشْبَعْتَ الفتحةَ يتولَّدُ منها ألفٌ، وإذا أَشْبَعْتَ الضمَّةَ يتولَّدُ منها الواوُ، وإذا أشبعتَ الكسرةَ يتولَّدُ منها الياءُ، كذا ذكرَ الشارحُ اليمنيُّ، وفيه إيماءٌ إلى أنَّ هذه الحركاتِ هي أصولُ هذه الحروفِ، ومختارُ الشاطبيِّ أنَّ القضيَّةَ مُنْعَكِسَةٌ حيثُ قالَ: وأمَّا هما واوٌ ياءٌ. يؤيدُه ماذكرَه مِن أنَّ الحروفَ ذاتٌ، والحركةَ عَرَضٌ يَحُلُّهَا.

ثمَّ اعلمْ أنَّ الفرقَ المذكورَ بينَ اللازمِ والواجبِ اصطلاحيٌّ، أمَّا اعتبارُ المعنى اللغويُّ وكذا العرفيِّ فلا فرقَ بينهما، فإنَّه لايجوزُ قصرُ أحدِهما عندَ جميعِ القُرَّاءِ، فلو قُرِيءَ بالقصرِ يكونُ لحنًا جليًّا وخطًأ فاحشًا مُخَالِفًا لما ثبَتَ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالطرقِ المُتَوَاتِرَةِ، وكذا إذا زاد في المدِّ الأصليِّ والطبيعيِّ على حدِّه العرفيِّ مِن قدرِ ألفٍ، بأنْ جعلَه قدرَ ألفينِ أو أكثرَ، كما يفعلُه أكثرُ الأئمَّةِ مِن الشافعيَّةِ والحنفيَّةِ في الحرمينِ الشريفينِ في الحرمِ المُحْتَرَمِ، فإنَّه مُحَرَّمٌ قبيحٌ، لاسيَّما وقدْ يَقْتَدِي بهم بعضُ الجهلةِ ويَسْتَحْسِنُ ما صدرَ عنهم من القُرَّاءِ، وأمَّا إذا قصَرَ المُنْفَصِلَ جازَ، لكن ينبغي أنْ لا يقعَ تركيبٌ وتلفيقٌ في قراءتِه، بأنْ يَمُدَّ في موضعٍ ويَقْصُرُ في موضعٍ فإنَّهُ مكروهٌ، وأمَّا إذا كانَ في نَفَسٍ واحدٍ فهو أشدُّ كراهةً.

ثمَّ اعلمْ أنَّ الزيادةَ على مِقْدَارِ الواردِ في حدِّ المدِّ أيضًا ممنوعٌ، فمذهبُ الجمهورِ أنَّ قَدْرَ المدِّ الأطولِ خمسُ أَلِفَاتٍ وقدرَ المدِّ الطولِ أربعُ أَلِفَاتٍ، وَقَدْرَ المدِّ المُتَوَسِّطِ ثلاثُ (أَلِفَاتٍ) وَقَدْرَ المدِّ فوقَ القصرِ ألفانِ، وَمَذْهَبُ العراقيَِّينِ أنَّ قَدْرَ المدِّ الطولِ أربعُ أَلِفَاتٍ، ثمَّ يَنْقُصُ النصفَ في كُلِّ مرتبةٍ حتى ينتهيَ إلى مرتبةِ القصرِ وهي ألفٌ واحدٌ، ومذهبُ الصقليِّ أنَّ المدَّ الطولَ ألفانِ، ثُمَّ يَنْقُصُ في كُلِّ مرتبةٍ ربعَ ألفٍ، لكن الجُعْبُرِيُّ ردَّ المذهبَ الأَوَّلَ في المُتَّصِلِ والمُنْفَصِلِ، حيثُ قالَ: ولا تحصيلَ لمن قالَ غايتُهما خمسٌ للخروجِ مِن الحدِّ، واختارَ المذهبَ الثانيَ حيثُ قالَ وهذا أعدلُ وبه قرأتُ. أقولُ: والأَولَى أنْ يكونَ مرادُ الجمهورِ بالخمسِ بِناءً على إدخالِ المدِّ الأصليِّ، ومرادُ غيرِهم بالأربعِ ما عدَاه، فالخلافُ لفظيٌّ لا حقيقيٌّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت