الصفحة 72 من 105

والحاصلُ أنَّهُ لايجوزُ الزيادةُ على مِقْدَارِ خمسِ أَلِفَاتٍ إجماعًا فما يَفْعَلُه بعضُ الأئمَّةِ وأكثرُ المؤذِّنِينَ فمِن أقبحِ البدعةِ وأشدِّ الكراهةِ، وأمَّا تقديرُ الهُذَلِيِّ الطُّوليَ بستِ أَلِفَاتٍ وذلكَ في (كاملِه) لوَرْشٍ فيما رواهُ الحدَّادُ وابنُ نفيسٍ وابنُ سفيانَ وابنُ غلبونَ فنسَبُوه في ذلكَ إلى الوهمِ كما قالَ المصنِّفُ رحمَهُ اللهُ في (نشرِه) واللهُ أعلمُ.

ثمَّ لمَّا عرَفْتَ أنَّ الهمزةَ والسكونَ هو السببُ لزيادةِ المدِّ فلا وجهَ لمَن مدَّ (معَايشَ) و (داودَ) ؛ إذ ليسَ بعدَ ألفِهما إلا الياءُ والواوُ المُتَحَرِّكَانِ، وهما ليسا من أسبابِ المدِّ، وأمَّا ما ذكرَه خالدٌ مِن أنَّ أقسامَ المدِّ أربعةَ عشرَ وكذا عدَّ غيرُه تسعةً وعشرين فكُلُّها مُنْدَرِجَةٌ فيما ذُكِر إجمالًا، وإنَّما اخْتُلِفَ باختلافِ الأسماءِ، فكُلُّ الصيدِ في جوفِ الفِرَا، كما وردَ عن سيِّدِ الوَرَى. هذا وقد أطلقَ الشاطبيُّ في فروشِ المدِّ , وأرادَ به حرفَه كقولِه: و (في حاذرونَ المَدُّ) واستعملَ القصرَ فيه أيضًا , وأرادَ به حذفَه كقولِه: المدُّ , وأرادَ به حرفَه كقولِه: (وفي لابثينَ القصرُ) ثمَّ اعلمْ أنَّ الشارحَ المصريَّ ذكرَ أنَّ الساكنَ العارضَ بقسميه للقُرَّاءِ فيه ثلاثةُ مذاهبَ: الأَوَّلُ الإشباعُ، كاللازمِ، لاجتماعِ الساكنينِ اعتدادًا بالعارضِ، وهو اختيارُ الشاطبيِّ لجميعِ القُرَّاءِ، فهذا قد يُتَوَهَّمُ منه أنَّ مِن طريقِ الشاطبيّةِ ليسَ لكُلِّ القُرَّاءِ إلا المدُّ، وليسَ كذلكَ لقولِه: في الشاطبيّةِ (وعن كُلِّهم بالمدِّ ما قيلَ ساكنٌ) أي: من السكونِ اللازميِّ لِمُقَابَلَتِه بقولِه: (وعندَ سكونِ الوقفِ وجهانِ أصلًا) معَ ما فيه مِن الإشارةِ إلى أنَّ الوجهينِ أصلانِ، وهما المدُّ والقصرُ، وجهٌ فرعٌ يتفرَّعُ عليهما مِن عدمِ اعتبارهِما، هو التوسُّطُ فيما بينَهما، ليُعَدَّ الأمرُ بالحطِّ عن درجةِ الأُولَى، وبالرفعِ في درجةِ الأُخْرَى.

بابٌ في أسبابِ المدِّ المَعْنويِّ:

ثمَّ اعلمْ أنَّ أسبابَ المدِّ منها لفظيٌّ كما تقدَّمَ، ومنها مَعْنويٌّ، وهو قصدُ المبالغةِ في النفيِ، وهو سببٌ قويٌّ مقصودٌ عندَ العربِ، وإن كان أضعفَ من السببِ اللفظيِّ عندَ القُرَّاءِ، ومنه مدُّ التعظيمِ في نحوِ لا إلهَ إلا اللهُ، ولا إلهَ إلا أنتَ، وهو قد وردَ عن أصحابِ القصرِ في المُنْفَصِلِ لهذا المعنى، كما نصَّ على ذلك أبو مَعْشَرٍ الطبريُّ وأبو القاسمِ الهُذَلِيُّ وابنُ مِهْرانَ، وغيرُهم، ويقالُ له أيضًا: مدُّ المبالغةِ، قالَ ابنُ مِهْرانَ: وإنَّما سُمِّيَ بمدِّ المبالغةِ؛ لأنَّه طلبٌ للمبالغةِ في نفيِ إلهيَّةِ سوى اللهِ سبحانَه وتعالى، قال: َ وهذا مذهبٌ مَعْروفٌ عندَ العربِ؛ لأنَّها تُمَدُّ عندَ الدعاءِ وعندَ الاستغاثةِ، وقد استحبَّ العلماءُ المحقِّقُونَ مدَّ الصوتِ بلا إلهَ إلا اللهُ إشعارًا بما ذكرْنَاه وممَّا يدلُّ على ذلكَ ما رُوِيَ في الحديثِ عن ابنِ عمرَ مرفوعًا إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ قالَ لا إلهَ إلا اللهُ ومدَّ بها صوتَه أَسْكَنَهُ اللهُ تعالى دارَ الجلالِ سَمَّى بها نفسَه فقالَ: ذو الجلالِ والإكرامِ، ورَزَقَهُ النظرَ إلى وجَهِهِ) وفي الحديثِ عن أنسٍ: (مَن قالَ لا إلهَ إلا اللهُ ومدَّها هدِمَتْ له أربعةَ آلافِ ذنبٍ) قالَ الناظمُ في النشرِ: وكلا الحديثينِ ضعيفانِ إلا أنَّهُ يُعْمَلُ بهما في فضائلِ الأعمالِ. أقولُ: وعلى تقديرِ صحَّتِه وجوازِ العملِ بروايتِه ليسَ فيه إلا تقويَةٌ لِمَذْهَبِ القائلِ بمدِّ المنفصلِ، ولا يلزمُ منه أنْ يكونَ مدُّه وجهًا لمن يُجَوِّزُ قَصْرَ المُنْفَصِلِ؛ ولهذا ما عَرَّجَ عليه الشاطبيُّ وجمهورُ القُرَّاءِ، وإنَّما هو من طريقِ المصنِّفِ، وكذا ما جاءَ مِن مدِّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت