الصفحة 75 من 105

، والانشقاقِ، وما أَشْبَهَهُنَّ، وفيه أنَّ رؤوسَ آيِ هذه السورِ المُخْتَلِفَةِ الصورِ، فبعضُها تامٌّ، وبعضُها كافٍ، وبعضُها حسنٌ، عندَ مَن له إلمامٌ بالمباني العربيَّةِ، والمَعْاني التفسيريَّةِ، خصوصًا في فواصلِ سورةِ الجنِّ، فإنَّ أربابَ الوقوفِ جعَلُوا الخلافَ في جوازِ وقفِها بِناءً على كسرِ الهمزةِ بعدَ الواوِ فيها، وتعيينِ الوصلِ على فتحِها، ثمَّ قالَ: وكذلكَ مثلَ الوقفِ على {لاريبَ فيه} ، وفيه أنَّ وقوعَ اختلافِ أربابِ الوقوفِ يُنافِيه، فبعضُهُم وقَفَ على (لاريبَ بِناءً على أنَّ خبرَ(لا) محذوفٌ، لحذفِه كثيرًا بلا شَكٍّ، وأنَّ قولَه (فيه) خبرٌ مُقَدَّمٌ لقولِه (هدًى للمُتَّقِينَ) ، أي: هدايةً وباعثهُ عنايةً للمؤمنينَ، وبعضُهم وقفَ على (فيه) بِناءً على أنَّهُ خبرُ (لا) وأنَّ (هدى) خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، تقديرُه: هو هدًى، بمعنى هادٍ أو ذو هدايةٍ، وسُمِّيَ بالمصدرِ للمبالغةِ ومثلَ هذا التركيبِ يُسَمَّى عندَ أربابِ الوقوفِ مُعَانَقَةً أو مُراقبةً، بمعنى: أنَّهُ إذا وقفَ على الأَوَّلِ يصلُ في الثاني، وبالعكسِ، فلا يجوزُ وقفُهُما ولا وصلُهما، وأمثالُ ذلكَ في القرآنِ مواضعُ جمعَها بعضُهم.

ثمَّ اعلمْ أنَّ الوقفَ على رؤوسِ الآيِ سُنَّةٌ؛ لمِا ذكرَه ابنُ المصنِّفِ بروايتِه على أبيه بسندِه المُتَّصِلِ إلى أمِّ سلمةَ رضي اللهُ تعالى عنها: (كانَ إذا قرأَ قطَّعَ آيةً آيةً يقولُ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ثمَّ يقفُ ثمَّ يقولُ الحمدُ للَّهِ ربِّ العالمينَ ثمَّ يقفُ ثمَّ يقولُ: الرحمنِ الرحيمِ ثمَّ يقفُ) قالَ: ولهذا الحديثِ طرقٌ كثيرةٌ وهو أصلٌ في هذا البابِ.

أقول: فظاهرُ هذا الحديثِ أنَّ رؤوسَ الآيِ يُسْتَحَبُّ الوقوفُ عليها سواءٌ وُجِدَ تَعَلُّقٌ لفظيٌّ أمْ لا، وهو الذي اختارَه البيهقيُّ، وقالَ أبو عمرٍو: وهو أحبُّ إليََّ، لكنَّهُ خلافُ ماذهبَ إليه أربابُ الوقوفِ كالسجاوندي وصاحبِ الخلاصةِ وغيرِهما مِن أنَّ رؤوسَ الآيِ وغيرَها في حكمٍ واحدٍ، من جهةِ تَعَلُّقِ ما بعدَه بما قبلَه وعدمِ تَعَلُّقِهِ؛ ولذا جعلُوا رمزَ (لا) ونحوَه فوقَ الفواصلِ، كما كتبُوها فوقَ غيرِها، معَ اتِّفَاقِهِم على جوازِ الابتداءِ بعدَ روؤسِ الآيِ، بخلافِ ما سِوَاها ممَّا لا يكونُ علامةَ الوقوفِ فوقَها، وحمَلُوا الحديثَ الواردَ على بيانِ الجوازِ، وعلى تعليمِ الفواصلِ، فإنَّه مِن بابِ التوقيفِ لعدمِ اطِّلاعِ غيرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليها، بلْ فَرَّقُوا في رؤوسِ الآيِ بحسبِ اختلافِ القُرَّاءِ المُقْتَضِي لاختلافِ الإعرابِ المُوجِبِ للتَّعَلُّقِ وعدمِهَ، فَوَقَفُوا في سورةِ إبراهيمَ على قولِه تعالى: {العزيزُ الحميدُ} إذ قرَأُوا لنافعٍ والشاميِّ برفعِ ما بعدَه، ووصلُوا على قراءةِ غيرِهما بجرِّه، وأمثالُ ذلكَ كثيرٌ في القرآنِ يَعْرِفُها أربابُ الوقوفِ من الأعيانِ، وقد اعتنى قرَّاءُ العجمِ بهذا الشأنِ، وأَهْمَلَ أمرَه قرَّاءُ العربِ في هذا الزمانِ، حتَّى ذكرَ مولانا نورُ الدينِ عبدُ الرحمنِ الجاميُّ قُدِّسَ سِرُّهُ الساميُّ بطريقِ اللطافةِ أنَّ قُرَّاءَ مصرَ والشامِ ترَكُوا مراعاةَ وقوفِ الكَلَامِ، فكأنَّ قضاتَهم لمَّا ضَيَّقُوا أوقافَ كُلِّ مكانٍ رفعُوا أيضًا وقوفَ القرآنِ.

هذا والتَّعَلُّقُ اللفظيُّ هو أنْ يكونَ ما بعدَه مُتَعَلِّقًا بما قَبلَه من جهةِ الإعرابِ، كأنْ يكونَ صفةً أو مَعْطُوفًا لكن بشرطِ أنْ يكونَ ما قبلَه كَلَامًّا تامًّا، وأمَّا التَّعَلُّقُ المَعْنويُّ فهو أنْ يكونَ تَعَلُّقُهُ، من جهةِ المعنى فقطْ دونَ شيءٍ من تَعَلُّقَاتِ الإعرابِ، كالإخبارِ عن حالِ المؤمنينَ في أَوَّلِ سورةِ البقرةِ مثلًا فإنَّه لا يتمُّ إلَّا إلى قولِه: {الْمُفْلِحُونَ} ثمَّ أحوالُ الكافرينَ يتمُّ عندَ قولِه تعالى: {وَلَهُم عذابٌ عظيمٌ} ثمَّ تمامُ أحوالِ المنافقينَ عندَ قولِه: (إنَّ اللهَ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ) حيثُ لم يَبْقَ لما بعدَه تَعَلُّقٌ بما قبلَه لا لفظًا ولا معنىً، وقد اعْتَنَى أبو عمرٍو الدانيُّ برسالةٍ مَسْتَقِلَّةٍ مُسْتَوْعِبَةٍ لأَنْواعِ الوقفِ من التامِّ والكافي والحسنِ في جميعِ السورِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت