الصفحة 77 من 105

على قولِه: {حُرِّمَتْ عليكُم أُمَّهَاتُكُم} هو الكافي، ويمكنُ دفعُه بأنَّهُ أرادَ عطفَ المفردِ، كقولِه: {واللهُ ورسولُه} وكذا يُرَدُّ على قولِه: وعلى الموصوفِ دونَ الصفةِ، ما تقدَّمَ من حُسْنِ الوقفِ على (بسمِ اللهِ) وكذا في (الحمدِ للهِ) .

ثمَّ قالَ: واعلمْ أنَّ مِن الوقفِ القبيحِ الوقفَ على (غيرِ) مِن {غيرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِم} وعلى (إلهٍ) من {إلهِ الناسِ} كما يفعلُه جهلةُ القُرَّاءِ، ويَسْتَدِلُّونَ برقمِ السجاوندي على ما قبلَ هذه الكلماتِ: لا، أي لا وقفَ، فليتَ شعري هل نهاكَ عن الوقفِ على رأسِ الآيةِ الذي هو سُنَّةٌ وأمَرَكَ بالوقفِ على المضافِ دونَ ما أُضِيفَ له مِن (غيرِ) و (إلهٍ) يعني: وتُخَالِفُ السُّنَّةَ وأئمةَ الوقوفِ في القِراءةِ فَتَقِفُ تارةً بعدَ تمامِ الآيِ وتارةً قبلَها لكونِ كتابةِ (لا) على رؤوسِ الآيِ، وأمَّا ما نَقَلَ بعضُهم مِن الروايةِ عن بعضِ مَن ليسَ له الدِّرايةُ أنَّ الوقفَ على (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم) غيرُ جائزٍ بل حرامٌ وَكُفْرٌ وَأَمْثَالُ ذلكَ فهذا نقلٌ باطلٌ ليسَ فيه وجهٌ طائلٌ، وكذا ما ذَكَرَه بعضُهم مِن أنَّ الوقفَ على: {والسَّمَاءِ ذاتِ الرجعِ} مُبْطِلٌ للصلاةِ وَكُفْرٌ في خارجِها تَعَمُّدًا فَمِن أقبحِ الرواياتِ؛ لأنَّه مُخَالِفٌ لإجماعِ أربابِ القِرَاءاتِ وقواعدِهم المَأْخُوذَةِ مِن الأصولِ العربيَّةِ، لا سيَّما وقد وَرَدَتْ الأحاديثُ النبويَّةُ بخصوصِ رؤوسِ الآيِ القرآنيَّةِ، ثمَّ قالَ: وأقبحُ مِن هذا الوقفُ على قولِه: {لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذينَ قالُوا} {لَقَدْ كَفَرَ الَّذينَ قالُوا} {وَقَالَتِ الْيَهُودُ} {وَقَالَتِ النَّصَارَى} {فَاعْبُدُونِ} و {قالُوا} و {مِن إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ} {وهم مُهْتَدُونَ} {ومالي} {ومَن يَقُلْ مَنْهُمْ} {مِن الخاسرينَ} {فَبَعَثَ} {إلا أنْ قالُوا أَبَعَثَ} والابتداءُ بقولِه تعالى: {إنَّ اللهَ فقْيرٌ} و {إنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابنُ مَرْيَمَ} و {يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ} و {المَسِيحُ ابنُ اللهِ} و {وَلَدَ اللهُ} و {لا أَعْبُدُ الذي فَطَرَنِي} و {إني إلهٌ مِن دونِه} و {اللهُ غُرَابًا} و {اللهُ بَشَرًا} لأنَّ المعنى يَخْتَلُّ بلْ يَسْتَحِيلُ بفصلِ ذلكَ عمَّا قَبْلَهُ.

قُلْتُ أمَّا الابتداءُ في المثالينِ الآخرينِ فإنَّه يَشْتَبِهُ على العوامِّ حيثُ لا يُمَيِّزُونَ بينَ المنصوبِ والمرفوعِ في حكمِ الكَلَامِ ونظامِ المرامِ، وأمَّا في سائرِ الأمثلةِ فالوقفُ ليسَ بقبيحٍ فضلًا عن أنْ يكونَ أقبحَ، وإنَّما القبيحُ في غايةِ القبحِ هو الابتداءُ بما بعدُ، لما يتفرَّعُ على الابتداءِ مِن توهُّمِ الإنشاءِ، وسيأتي تحقيقُ أساسِ ذلكَ البناءِ، ومِن هذا القبيلِ الوقفُ على نحوِ: {قلْ يا أيُّهَا الكافرونَ لا} والابتداءُ بقولِه {أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ} ثمَّ قالَ: ومِثْلُه في القبحِ الوقفُ على قولِه: {فَبُهِتَ الذي كَفَرَ واللهُ} و {الذينَ لا يؤمنونُ بالآخرةِ مَثَلُ السَّوْءِ وللهِ} {إنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِ} {إنَّ اللهَ لا يَهْدِي} و {لا يَبْعَثُ اللهُ} ، وَشِبْهِهِ؛ لأنَّ المعنى يفسُدُ بفصلِ ذلكَ عمَّا بَعْدَه.

أقولُ: وإنَّما قالَ: ومثلَه، وفُصِلَ عمَّا قَبْلَه؛ لأنَّ الوقفَ على هذه المواضعِ قبيحٌ جدًّا لمَا يَتَرَتَّبُ عليه مِن قُبْحِ العطفِ، أو تركِ المفعولِ، وأمَّا الابتداءُ بِما بعدَه فليسَ بقبيحٍ، بخلافِ الأمثلَةِ التي قبلَه، فقولُه: ومن انقطعَ نَفَسُه على ذلكَ وجبَ عليه أنْ يرجعَ إلى ما قبلَه ويصلَ الكَلَامَ بعضَه ببعضٍ فإن لم يَفْعَلْ أَثِمَ، إنَّما يستقيمُ في الأمثلةِ الأُولَى، وأمَّا في الأمثلةِ الثانيَةِ فينبغي أنْ يعودَ فالعودُ أحمدُ، ثمَّ قالَ: وكانَ ذلكَ أي الابتداءُ في القسمِ الأَوَّلِ والوقفُ في الثاني من الخطأِ العظيمِ الذي لو تَعَمَّدَهُ مُتَعَمِّدٌ لَخَرَجَ بذلكَ عن دينِ الاسلامِ؛ لكونِ اعتقادِ ذلك افتراءً على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت