الصفحة 78 من 105

اللهِ عزَّ وجلَّ وجهلًا به سبحانَه. وأقولُ: وأمَّا قولُ (قاضيخانَ) مِن علمائِنا الحنفيَّةِ في فتاواه: وإنْ غَيَّرَ المعنى تغيُّرًا فاحشًا بأنْ قرأَ: {إنَّما يَخْشَى اللهَ مِن عِبَادِه العلماءُ} برفعِ الهاءِ ونصبِ العلماءِ، وقرأَ: {إنَّ اللهَ برئٌ مِن المشركينَ ورسولُه} بكسرِ لامِ الرسولِ، وما أَشْبَهَ ذلكَ ممَّا لو تَعَمَّدَهُ به يُكَفَّرُ، وإذا قرأَ خطأً فَسَدَتْ صلاتُه في قولِ المُتَقَدِّمِينَ فَسَهْوٌ فهو صَدَرَ عنه مِن الغفلةِ عن مَعْرفةِ القِراءةِ الشاذَّةِ ووجوِه القواعدِ العربيَّةِ، إذ نَصَبَ (العلماءَ) رُوِيَ عن أبي حنيفةَ رحمَهُ اللهُ تعالى إمامِ الفقهاءِ، وَوُجِّهَ بأنَّ (يخشى) بمعنى يُعَظِّمُ، على قاعدةِ التجريدِ، فإنَّ الخشيةَ خوفٌ مَقْرُونٌ بالتعظيمِ ووجهُ كسرِ (رسولِه) المقروءِ في الشواذِّ أيضًا بأنَّ واوَه للقسمِ أو جَرِّه للجِوارِ، كما ذكرَه صاحبُ الكَشَّافِ، ثمَّ قالَ: وإنْ وصَلَ في غيرِ موضعِه، وفَصَلَ في غيرِ موضعِه، فإن لم يتغيَّر المعنَى تَغَيُّرًا فاحشًا، بأنْ وقَف على الشرطِ وابتدأَ بالجزاءِ فقرأَ: {إنَّ الذينَ آمنُوا وَعَمِلُوا الصالحَاتِ} وَوَقَفَ ثمَّ ابتدأَ بـ {أُولَئِكَ هم خيرُ البريَّةِ} أو فَصَلَ بينَ الصفةِ والموصوفِ، نحوَ إنْ قرأَ {إنَّهُ كانَ عبدًا} ووقفَ ثمَّ ابتدأَ بقولِه: {شَكُورًا} فَمِثلُ هذا لا يَحْسُنُ، ولا يُفْسِدُ صلاتَه؛ لأنَّ مَوْضِعَ الفصلِ والوصلِ لا يعرفُها إلا العلماءُ، وإن تغيَّرَ المعنى تَغَيُّرًا فاحشًا نحوَ أنْ يقرأَ {اللهُ لا إلهَ} وَيَقِفُ ثمَّ يبتدئُ بقولِه: {إِلَّا هُوَ} أو قرأَ {قالَت اليَهودُ} وَيَقِفُ، ثمَّ يَبْتَدِيءُ بقولِ {عُزَيْرٌ ابنُ اللهِ} ونحوَ ذلكَ، قالَ عامَّةُ العلماءِ: لا تَفْسُدُ صلاتُهَ، وقالَ بعضُهم: تَفْسُدُ. ا هـ. وفي الخلاصةِ لو وقفَ على قولِه: (وَقَالَتِ اليَهودُ) ثمَّ ابتدأَ بقولِه: (عُزَيْرٌ ابنُ اللهِ) لاتَفْسُدُ صلاتُه بالإجماعِ. أقولُ: ولعلَّ وَجْهَهُ ما رُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ المباركِ، وأبي حفصٍ الكبيرِ البخاريِّ ومُحَمَّدِ بنِ مُقَاتِلٍ، وغيرِهم مِن أنَّ عدمَ فسادِه لِمَا فيه من ضرورةِ سَبْقِ اللِّسانِ، ثمَّ قالَ في الخلاصةِ: ولو لم يقفْ عندَ قولِه {أنَّهُم أصحابُ النارِ} بلْ وصلَ بقولِه {الذينَ يَحْمِلُونَ العرشَ} لا تَفْسُدُ لكنَّه قبيحٌ ا. هـ. َ

ولا يخفى أنَّ أربابَ الوقوفِ جعلُوا الميمَ الذي هو علامةُ الوقفِ اللازمِ على قولِه (أصحابُ النارِ) لأنَّ في وصلِه إبهامَ أنْ يكونَ ما بعدَه صفةً لما قبلَه، وهو يُغَيِّرُ المعنى تغيرًا فاحشًا؛ لأنَّ قصدَ ذلك المعنى يكونُ كُفْرًا، وبِهَذَا التقريرِ وما سبقَ به من التحريرِ تبيَّنَ معنى قولِ الناظمِ التحريرِ (وليسَ في القرآنِ مِن وقفٍ وَجَبَ) وفي نسخةٍ (يَجِبُ) و (مِن) زائدةٌ مُؤَكِّدَةٌ، للمبالغةِ في النفيِ، فيجوزُ وصلُ الكلماتِ مِن أَوَّلِها إلى آخرِها في القرآنِ العظيمِ، ولا يكونُ فاعلُه تاركًا لواجبٍ عليه، بمعنى أنَّهُ يَأْثَمُ بتركِ الوقفِ لديه وإنَّما ينبغي له بالوجوبِ الاصطلاحيِّ ويُسْتَحَبُّ له باللزومِ العرفيِّ مراعاةُ الوقوفِ القرآنيَّةِ، لما وردَ أنَّ عليًّا كرَّمَ اللهُ وجهَهُ سُئِلَ عن قولِه تعالى: {وَرَتِّل القرآنَ تَرْتِيلًا} فقالَ الترتيلُ: تجويدُ الحروفِ ومَعْرفةُ الوقوفِ.

ولِمَا وردَ عن ابنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّهُ قالَ:"لقد عِشْنا بُرْهَةً مِن دَهْرِنَا وإنَّ أحدَنا لَيُؤْتَى الإيمانَ قبلَ القرآنِ، وتَنْزِلُ السورةُ على النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَتَعَلَّمُ حلالَها وحرامَها وأمرَها وزَجْرَها وما ينبغي أنْ يُوقَفَ عندَه منَها."

قالَ الناظمُ ففي كَلَامِ عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه دليلٌ على وجوبِ تَعَلُّمِهِ ومَعْرفتِه وفي كَلَامِ ابنِ عمرَ رضي اللهُ تعالى عنهما برهانٌ على أنَّ تَعَلُّمَهُ إجماعٌ مِن الصحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم، وصحَّ بلْ تواترَ عندَنا تَعَلُّمُهُ والاعتناءُ به من السلفِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت