فهرس الكتاب
الصالحِ، قالَ: ومِن ثَمَّ اشترطَ كثيرٌ مِن أئمَّةِ الخلفِ على المجيزِ أنْ لا يُجِيزَ أحدًا إلا بعدَ مَعْرفةِ الوقفِ والابتداءِ، وقالَ الإمامُ أبو زكريَّا: الوقفُ في الصدرِ الأَوَّلِ مِن الصحابةِ والتابعينَ وسائرِ العلماءِ مرغوبٌ فيه من مشايخِ القُرَّاءِ والأئمَّةِ الفُضَلاءِ، مطلوبٌ فيما سلفَ من الأعصارِ، واردةٌ به الأخبارُ الثابتةُ، والآثارُ الصحيحةُ، ففي الصحيحينِ أنَّ أمَّ سلمةَ قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَطِّعُ قراءتَه يقولُ:" (الْحَمْدُ للهِ ربِّ العالمينَ) ثمَّ يقفُ"الحديثَ. ورُوِيَ أنَّ رَجُلَيْنِ أَتَيا النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَشَهَّدَ أحدُهُما وقالَ: مَن يُطِع اللهَ ورسولَه فقدْ رَشَدَ ومَن يَعْصِهِمَا ووقفَ، فقالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قُمْ بِئْسَ الخطيبُ أنتَ) . قالَ بعضُهم: إنَّما قالَ ذلكَ لِقُبْحِ لفظِه، وكانَ حقُّه أنْ يقفَ على (رَشَدَ) أو على (غَوَى) أو يصلَ الجميعَ، فانظرْ كيفَ كَرِهَ قُبْحَ لَفْظِه إنْ كانَ مرادُه الخيرَ لا الشرَّ ا. هـ.
ولا يخفى أنَّ قولَه: وما ينبغي أنْ يُوقَفَ عندَه منها لا يبعُدُ أن يُرَادَ بها الآياتُ المتشابهةُ في مَعْناها، فليسَ في الحديثِ الثاني نصٌّ على الوقفِ المصطلحِ عليه.
(ولا حرامٌ غيرُ ما لَه سببٌ) يجوزُ رفعُ حرامٍ على أنَّهُ مَعْطُوفٌ على مَحَلِّ (َمَن وَقَفَ) ؛ لأنَّه اسمُ ليسَ، وَجَرُّه للعطفِ على لفظِه، كما قُرِيءَ بالوجهينِ في قولِه تعالى: {هلْ مِن خالقٍ غيرُ اللهِ} وقولِه سبحانَه {مَالَكُمْ مِن إِلَهٍ غَيْرُه} لكن الجمهورُ بالرفعِ وأمَّا (غيرُ في البيتِ فَتَابِعٌ لحرامٍ في إعرابِه، وَجُوِّزَ نَصْبُه حالًا، ويمكنُ نصبُه على الاستثناءِ أيضًا.
وحاصلُ معنى البيتِ بكمالِه أنَّهُ ليسَ في القرآنِ وقفٌ واجبٌ يَأْثَمُ القارئُ بتركِه، ولا وَقْفٌ حرامٌ يَأْثَمُ بِوَقْفِه؛ لأنَّهما لا يدلَّانِ على معنًى فَيَخْتَلُّ بِذَهَابِهِمَا، إلا أنْ يكونَ لذلكَ سببٌ يَسْتَدْعِي تحريمَه ومُوجِبٌ يقتضي تَأْثِيمَه، كأنْ يَقْصِدَ الوقفَ على {ما مِن إلهٍ} و {إنِّي كَفَرْتُ} ونحوَهما كما سبقَ مِن غيرِ ضرورةٍ، إذ لايَقْصِدُ ذلكَ مُسْلِمٌ واقفٌ على مَعْناهُ، وإذا لم يَقْصِدْ فلا يَحْرُمُ عليه لا الوصلُ ولا الوقفُ في مبناهِ، وأمَّا غيرُ الواقِفينَ على مَعْناهُ ففي الأمرِ سَعَةٌ عليهم؛ إذ لا يُتَصَوَّرُ القصدُ لديهم، لكن الأحسنُ معَ عدمِ القصدِ أنْ يُتَجَنَّبَ الوقفُ على مثلِ ذلكَ مطلقًا، للإبهامِ على خلافِ المَرامِ، لاسيَّما إذا كانَ مُسْتَمِعًا في ذلكَ المقامِ.
ثمَّ اعلمْ أنَّ المُتَأَخِّرينَ مِن عُلَمَائِنا اتَّفَقُوا على أنَّ الخطأَ إنْ كانَ في الإعرابِ لا يُفْسِدُ الصلاةَ مُطْلَقًا، وإنْ كانَ ممَّا اعتقدَه كُفِّرَ؛ لأنَّ أكثرَ الناسِ لا يُمَيِّزُونَ بينَ وجوهِ الإعرابِ، قالَ قاضيخانَ: وما قالَه المتأخِّرُونَ أوسعُ، وما قالَه المُتَقَدِّمُونَ أحوطُ؛ لأنَّه لو تَعَمَّدَهُ يكونُ كُفْرًا وما يكونُ كُفْرًا لا يكونُ مِن القرآنِ. قالَ ابنُ الهُمَامِ: فيكونُ مُتَكَلِّمًا بكَلَامِ الناسِ الكفارِ وهو مُفْسِدٌ كما لو تَكَلَّمَ بكَلَامِ الناسِ ساهيًا ممَّا ليسَ بكفرٍ فكيفَ وهو كُفْرٌ.
قالَ شارحُ المنيَّةِ: ولا يُقَاسُ مسألةُ زَلَّةِ القارئِ بعضِها ممَّا ليسَ مذكورًا عن الأئمَّةِ المتقدِّمِينَ والمُتَأَخِّرينَ على بعضٍ ممَّا هو مذكورٌ إلا بعلمٍ كاملٍ في اللغةِ و العربيَّةِ والمَعْاني ونحوَ ذلكَ ممَّا يحتاجُ إليه تفسيرٌ لِيُعْلَمَ ما اعتقادُه