فهرس الكتاب
كُفِّرَ وما هو بعيدٌ فاحشًا أو غيرَ فاحشٍ. ثمَّ قالَ: وأمَّا الحُكْمُ في قطعِ بعضِ الكلمةِ عن بعضٍ، بأنْ أرادَ أنْ يقولَ (الَحَمْدُ للهِ) فقالَ (أل) فانقطعَ نَفَسُه أو نَسِيَ الباقيَ ثمَّ تَذَكَّرَ فقالَ (الْحَمْدُ للهِ) أو لم يَتَذَكَّرْ فَتَرَكَ الباقيَ وانتقلَ إلى كلمةٍ أُخْرَى فقدْ كانَ الشيخُ الإمامُ شمسُ الأئمَّةِ الحُلْوَانِيُّ يُفْتِي بالفسادِ في مثلِ ذلكَ، وعامَّةُ المشايخِ قالُوا: لا تَفْسُدُ لعمومِ البَلْوَى في انقطاعِ النفَسِ والنسيانِ.
أقولُ: وفيه بحثٌ؛ لأنَّ المثالَ المذكورَ لا يصلُحُ أنْ يكونَ لقطعِ بعضِ الكلمةِ عن بعضٍ على وجهِ الحقيقةِ؛ فإنَّ لامَ التعريفِ كلمةٌ مستقلةٌ، لكن لكمالِ امتزاجِها بمدخولِها تُعَدُّ كلمةً واحدةً ولا يُسْتَحْسَنُ قطعُها عمَّا بعدَها وكذا فُصِلَ ما بعدَها عنها لاتِّصَالِها رسمًا فالمثالُ اللائقُ فيما نحنُ فيه أنْ يقولَ (الْحَمْدُ للهِ) بأنْ يَقِفَ على الميمِ وابْتَدَأَ بالدالِ، فَتَأَمَّلْ في تحقيقِ تَصَوُّرِ المثالِ، قالَ: وأمَّا الوقفُ في غيرِ موضعِه والابتداءُ في غيرِ موضعِه فلا يُوجِبُ ذلكَ فسادَ الصلاةِ أيضًا لعمومِ البلوى بانقطاعِ النَّفَسِ وحصولِ النسيانِ، وعدمِ مَعْرفةِ المعنى في حقِّ العوامِّ، وانتفاءِ القصدِ المذمومِ بالنسبةِ إلى الخواصِّ، عندَ عامَّةِ علمائِنا، وعندَ بعضِ العلماءِ تَفْسُدُ إن تغيَّرَ المعنى تَغَيُّرًا فاحشًا نحوَ أنْ يقرأَ {لا إلهَ} ووقفَ وابتدأَ بقولِه: {إلا اللهُ} وهذا مثالُ الوقفِ، أو قرأَ: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذينَ أُوتُوا الكتابَ مِن قبلِكم} ووقفَ وابتدأَ بقولِه: {وإيَّاكُمْ أنِ اتَّقُوا اللهَ} أو قرأَ: {يُخْرِجُونَ الرَسُولَ} وابْتَدَأَ بقولِه: {وإيَّاكُمْ أنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ ربِّكُمْ} وأمثالُ ذلكَ ممَّا تقدَّمَ، فالصحيحُ عدمُ الفسادِ في ذلكَ واللهُ أعلمُ.
ثمَّ قالَ ولو وَصَلَ حرفًا مِن آخرِ كلمةٍ بكلمةٍ أُخْرَى بأنْ قرأَ: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نستعينُ} بوصلِ كافِ إيَّاكَ بالنونِ، أو قرأَ {إنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكوثرَ} وما أَشْبَهَ ذلكَ فإنَّ صلاتَه لا تَفْسُدُ على قولِ العامَّةِ مِن العلماءِ، قالَ قاضيخانِ: وإنْ تَعَمَّدَ ذلكَ، وفي شرحِ التَّهْذِيبِ: هو الصحيحُ؛ لأنَّ مِن ضرورةِ وصْلِ الكلمةِ بالكلمةِ اتصالَ آخرِ الأُولَى بأَوَّلِ الثانيَةِ. قالَ في فتاوَى الحُجَّةِ: المُصَلِّي إذا وصلَ في الفاتحةِ {إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لا ينبغي أنْ يَقِفَ على (إيَّاكَ) ثمَّ يقولُ (نَعْبُدُ) بل الأَوْلَى والأصحُّ أنْ يصلَ {إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نستعينَ} قالَ صاحبُ المنيَّةِ: وعلى قولِ بعضِ المشايخِ تَفْسُدُ صلاتُه، والظاهرُ أنَّ مُرَادَ هذا القائلِ إنَّما هو عندَ السكتِ على (إيا) ونحوِها، وإلا فلا ينبغي لعاقلٍ أنْ يَتَوَهَّمَ فيه الفسادَ فضلًا عن العالمِ، هذا وبعضُ المشايخِ فصَّلُوا وقالُوا: إنْ عَلِمَ القارئُ أنَّ القرآنَ كيفَ هو، أي عَلِمَ أنَّ الكافَ مِن الكلمةِ الأُولَى لامِن الثانيَةِ إلا أنَّهُ جرَى على لسانِه هذا الوصلُ لاتَفْسُدُ صلاتُه، وإن كانَ في اعتقادِه أنَّ القرآنَ كذلكَ أي: إنَّ الكافَ مثلًا مِن الكلمةِ الثانيَةِ تَفْسُدُ صلاتُه، لأنَّ ما قرأَ ليسَ بقرآنٍ، نظرًا إلى ما أرادَه، والصحيحُ قولُ العامَّةِ؛ لأنَّ هذه كُلَّها تكَلُّفَاتٌ باردةٌ، وإذا إتَّسَقَ اللفظُ فلا عبرةَ بإرادةٍ.
أقولُ وما اشْتَهَرَ على لسانِ بعضِ الجهلةِ من القُرَّاءِ أنَّ في سورةِ الفاتحةِ للشيطانِ كذا من الأسماءِ في مثلِ هذه التراكيبِ من البناءِ فخطأٌ فاحشٌ وإطلاقٌ قبيحٌ، ثمَّ سَكْتُهُمْ عن نحوِ دالِ الحمدِ وكافِ إيَّاكَ وأمثالِها غلطٌ صريحٌ.