فهرس الكتاب
تعريفُ الوقفِ والسَّكْتِ:
ثمَّ اعلمْ أنَّ الوقفَ: هو قطعُ الصوتِ عندَ آخرِ الكلمةِ مِقْدَارَ زمنِ التنفُّسِ، والسكتَ: قطعُ الصوتِ زمانًا أقصرَ مِن زمنِ التنفُّسِ، ثمَّ الوقفُ اختياريٌّ: وهوَ أنْ يُقْصَدَ لذاتِه مِن غيرِ عُرُوضِ سببٍ في جهاتِه، واضطراريٌّ وهو ما يَعْرِضُ بسببِ حصرٍ وعجزٍ ونسيانٍ لما بعدَه من كلماتِه، واختياريٌّ: وهو ما يَمْتَحِنُه الأستاذُ بقولِه كيفَ تقفُ على هذا اللفظِ بعينِه؟ لِيَعْلَمَ مهارتَه في وجوهِ قراءتِه، وانتظاريٌّ: وهو أنْ يقفَ على كلمةٍ ليَعْطِفَ عليها غيرَها حينَ جمعِه لاختلافِ رواياتِه. (في الوقفِ على(وَمَا يَعْلَمَ تَأْوِيلَهُ إلا اللهُ) .
ثمَّ اعلمْ أنَّ الوقفَ قد يكونُ كافيًا على إعرابٍ وتفسيرٍ، وغيرَ كافٍ على آخرَ، نحوَ قولِه تعالى (وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَه إلا اللهُ) فإنه كافٍ على أنَّ ما بعدَه مُسْتَأْنَفٌ، وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ، وعائشةَ، وابنِ مسعودٍ، وغيرِهم رَضِيَ اللهُ عنهم، ومذهبُ أبي حنيفةَ، وأكثرِ أهلِ العلمِ، وذهبَ إليه الفَرَّاءُ، والأخفشُ، وأبو حاتمٍ، وغيرُهم، قالَ عُرْوَةُ: والراسخونُ في العلمِ لا يعلمونَ التأويلَ ولكن يقولونُ آمنَّا بِه. وعندَ غيرِهم الوقفُ كافٍ على (والرَّاسِخُونَ في العِلْمِ) فإنَّه عندَهم مَعْطُوفٌ عليه، وهو روايةٌ عن ابنِ عبَّاسٍ، واختارَه ابنُ الحاجبِ ومن تَبِعَه، والمَعْتمَدُ هو الأَوَّلُ، وعندَ أربابِ الوقوفِ هو المُعَوَّلُ؛ ولذا رَمَزُوا فوقَ لفظِ الجلالةِ حرفَ الميمِ بالْحُمْرَةِ، للإيماءِ إلى أنَّ الوصلَ مُوهِمٌ لمعنًى فيه خَلَلٌ مِن حيثُ الاعتقادُ، وأمَّا جَعْلُ المصريِّ الوقفَ على الجلالةِ تامًّا فغيرُ تامٍّ؛ لأنَّ ما بعدَه له تَعَلُّقٌ مَعْنويٌّ بما قبلَه، بلْ عندَ المحقِّقِينَ مِن أربابِ التفسيرِ إثباتُ تَعَلُّقِ المعنى في جميعِ الآياتِ ولو ما بينَ القصصِ وبينَ السورِ من سائرِ الكلماتِ.
والحاصلُ أنَّ الناظمَ جعلَ الوقوفَ على ثلاثِ مراتبَ تبعًا لأبي عمرٍو الدانيِّ، وأمَّا السجاونديُّ وكذا مَن تَبِعَه لم يُفَرِّقْ بينَ التامِّ والكافي، لكنَّه جعلَهما على مراتبَ مِن وقفٍ مُطْلَقٍ ورمزُه الطاءُ، حيثُ لم يُجَوِّزْ فيه الوصلَ، ومِن وقفٍ جائزٍ وصلُه والأَوْلَى وقفُه وَرَمْزُه الجيمُ، ومِن وقفٍ مُجَوَّزٍ وصلُه أَوْلَى ورمزُه الزايُ، وجعَل لطولِ الكَلَامِ وقفًا سَمَّاهُ مُرَخِّصًا ورمزُه الصادُ، وجعلَ بعضَ أنواعِ المطلقِ وقفًا لازمًا ورمزُه الميمُ، وذلكَ لَمَّا كانَ في وصلِه حصولُ خللٍ في المَعْني نحوَ قولِه تعالى {وَمَاهُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ} فإنَّ حالَ الوصلِ قد يُتَوَهَّمُ أنَّ قولَه (يُخَادِعُونَ) قيدٌ للنفيِ بكونِه وصفًا أو حالًا، والصوابُ أنَّهُ استئنافٌ، ونحوَ قولِه تعالى: {وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إنَّ الْعِزَّةَ للهِ} و {إنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ} فإنَّ وَصْلَهُ مُوهِمٌ أنَّ القولَ هو مابعدَه وليسَ كذلكَ بلْ القولُ مُقَدَّرٌ، أي: فينا أو فيكَ أو في كتابِنا، ثمَّ الجملةُ استئنافيَّةٌ مُعَلِّلَةٌ لنفيِ الحزنِ، وتسليةٌ له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وتهديدٌ لهمْ.
وقد يكونُ الاختلافُ باختلافِ القِراءةِ فنحوَ قولِه تعالى: {يُحَاسِبْكُمْ بِه اللهِ} وقفٌ كافٍ على قراءةِ مَن رفعَ: فَيَغْفِرُ ويُعَذِّبُ ووقفٌ حَسَنٌ لِمَنْ يَجْزِمُهُمَا، لكن لا يُسْتَحْسَنُ الوقفُ عليه لعدمِ حُسْنِ الابتداءِ بما