الصفحة 82 من 105

بعدَه، وقِسْ على هذا ما وقعَ في القرآنِ مثلَه، وقد جاءني في سؤالٍ عن بعضِ فضلاءِ اليمينِ في الفَرْقِ بينَ قولِه تعالى: {وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} وبينَ قولِه سبحانَه: {وإلى ثَمُودَ أَخَاهُم صالحًا} حيثُ جعلَ رمزَ الوقفِ على الأَوَّلِ مطلقًا وعلى الثاني لازمًا، معَ أنَّ ما بعدَهُمَا {قالَ يا قومِ اعْبُدُوا اللهَ مَالَكُمْ مِن إلهٍ غَيْرُهُ} بلا تفاوتٍ في الموضعينِ. فقلتُ: لأنَّ الأَوَّلِ عَلَمٌ جامدٌ لا يصلُحُ أنَّ ما بعدَه وهوَ قولُه: {قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَالَكُمْ مِن إلهٍ غَيْرُه} وصفٌ له بخلافِ الثاني فإنَّهُ عَلَمٌ مُشْتَقٌّ وقعَ في صورةِ النكرةِ فقدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ مَابَعْدَهُ نعتٌ له، ومِن تحقيقِ أربابِ هذا الفنِّ وتدقيقِ نظرِهم في التعبيرِ وكمالِ حَذَاقَتِهِمْ في علمِ التفسيرِ أنَّ السجاونديَّ جعلَ رمزَ الوقفِ على قولِه تعالى حكايةً عن موسى عليه السلامُ {قالَ ربُّ السمواتِ والأرضِ وما بَيْنَهُما} و {ربُّ المشرقِ والمغربِ وما بينَهُما} مطلقًا، وعلى قولِه سبحانَه وتعالى في الدُّخَانِ {ربُّ السمواتِ والأرضِ وما بينَهُمَا} لازمًا، معَ اتِّحَادِ ما بَعْدَهُمَا بقولِه تعالى: {إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} وقد جاءَ صاحبُ الخلاصةِ وجعلَ رمزَهما مطلقًا من غيرِ فرقٍ بينهما، بل اعْتُرِضَ علي مَن ميَّزَ باختلافِ رمزِهما، وأقولُ: الصوابُ هو الأَوَّلُ؛ لأنَّ الوصلَ في الآيةِ الأُولَى ليسَ بِمُوهِمٍ لخللٍ في المعنى، بخلافِ الآيةِ الثانيَةِ؛ لأنَّ ما قبلَها فيه خطابٌ للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيثُ قالَ تعالى: {إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} فلو وصلَ لربَّمَا يُتَوَهَّمُ أنَّ الخطابَ في كُنْتُمْ له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على طريقِ التعظيمِ، أو له ولأمَّتِه على جهةِ التغليبِ، وقد عرَضْتُ هذه الدقيقةَ على مشايخِي في الحرمينِ الشريفينِ، أعني: شيخَ القُرَّاءِ بالمدينةِ السَّكِينَةِ مولانا المَغْفُورِ له أبو الحَرَمِ المدنيِّ، وشيخَ القُرَّاءِ بمكةَ الأمينةِ أستاذِنا المَبْرُوَِ سِرَاجِ الدينِ عُمَرَ الشوافيِّ اليمنيِّ فاسْتَحْسَنَا ما ذكَرْتُه غايةَ التحسينِ، لمَّا تَبَيَّنَ الفرقُ لهما على وجهِ التبيينِ، وقد اعْتَنَى بعضُهم برسالةٍ مُخْتَصَّةٍ في وقفِ اللازمِ، والعوامُّ يَحْسَبونَ أنَّهُ واجبٌ، ووصلُه حرامٌ، ويَغْفُلُونَ أنَّهُ مُقَيَّدٌ بما ذَكَرَه الناظمُ مِن سببِ قصدِ المُخَالفِ المرامَ، وقد صُنِّفَتْ كتبٌ في الوقوفِ القرآنيَّةِ بعضُها مُدَلِّلٌ ببيانِ إعرابِ المباني، وإعرابِ المَعْاني، والمصاحفُ المصحَّحَةُ الْمَقْرُؤةُ على قُرَّاءِ العجمِِ مَرْمُوزَةٌ في مُشْتَبِهَاتِ المثاني. فإنْ قلتَ: ما وجهُ أربابِ الوقوفِ أنَّهُم كَتَبُوا (لا) في بعضِ المواضعِ ولم يَسْتَغْنُوا بعدمِ كتابةِ رمزِ الدالِّ على نفيِ الوقفِ في أكثرِها؟ قلتُ: لأنَّ تلكَ المواضعَ كانتْ مَظِنَّةَ أنَّهَا مَحَلُّ وقفٍ وانقطاعٍ لها عمَّا بعدَها فَنَبَّهُوا على خلافِ ما يُتَوَهَّمُ مِن ظواهرِها، هذا وقدْ وقعَ اختلافٌ بينَ الكوفيِّ والبصريِّ في بعضِ رؤوسِ الآىِ فجعلَ رمزَ آيةِ الكوفيِّ (لب) وعلامةَ خُمْسِهِمْ (الهاء) وَعُشْرِهِمْ رأسَ العينِ أو حرفَ الياءِ، ورمزَ آيةِ البصريِّ (تب) وَخُمْسِهِمْ (خب) وعُشْرِهِمْ (عب)

فقولُه (بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ) في الفاتحةِ آيةٌ للكوفيِّ و (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) آيةٌ للبصريِّ معَ الإجماعِ على أنَّ سورةَ الفاتحةِ سبعُ آياتٍ، وأمَّا البسملةُ في سائرِ السورِ فليستْ بآيةٍ اتفاقًا، وكذا (آلم) البقرةُ آيةٌ عندَ الكوفيِّ خلافًا للبصريِّ، وتفصيلُ ذلكَ يطولُ ويَضُرُّ للمَلُولِ، والعاقلُ يكفيه الإشارةُ، ثمَّ اعْلَمْ أنَّهُ قدْ يقعُ الوقفُ كافيًا على إعرابٍ، وحسنًا على آخرَ، نحوَ قولِه تعالى: هُدًى للْمُتَّقِينَ {فإنَّه إنْ جَعَلْتَ الموصولَ بعدَه نعتًا له فَالْوَقْفُ حسنٌ، وإنْ جَعَلْتَهُ مرفوعًا أو منصوبًا على القطعِ أو مُبْتَدَأً فوقفُه كافٍ، وَبِمُرَاعَاةِ هذِه الملاحظاتِ في إعرابِ الآياتِ وسائرِ الكلماتِ يحصلُ الفهمُ والدرايةُ، ويتَّضِحُ مِنْهاجُ الهدايةِ ومِعْراجُ الروايةِ، فَتَلْتَذُّ به التلاوةُ على وجهِ الغايةِ والنهايةِ، وأمَّا إذا لم يُلَاحَظ الإعرابُ والمعنى فقد يَقَعُ الواقفُ في خطأ المبنى كما إذا وقفَ على نحوِ قولِه تعالى} وإنْ كَانَتْ واحدةٌ فَلَها النَّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ {وكذا الوقفُ على} لاتَقْرَبُوا الصَّلَاة {وكذا على} فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ وإنْ كانَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت