الصفحة 83 من 105

رأسَ آيةٍ، ولايُقَاسُ هذا على نحوِ (ربِّ الْعَالَمِِينَ) لِمَا بَيْنَهُمَا مِن الفرقِ الجليِّ المَعْنويِّ، وأمَّا قولُ المصريِّ: الوقفُ على خَتْمِ اللهِ قبيحٌ، والابتداءُ باللهِ أقبحُ، فليسَ بصحيحٍ؛ لأنَّ الوقفَ على ختمِ اللهِ حَسَنٌ، إلا أنَّهُ يَبْدَأُ بما قبلَه، والابتداءُ بختمٍ أحسنُ مِن الابتداءِ بالجلالةِ، ثمَّ قولُه: وقد يكونُ الوقفُ قبيحًا والابتداءُ به جيِّدًا نحوَ قولِه تعالى: مَن بَعَثَنَا مِن مَرْقَدِنَا هذا {فإنَّ الوقفَ على (هذا) قبيحٌ؛ لفصلِه بينَ المبتدأِ والخبرِ؛ ولأنَّهُ يُوهِمُ أنَّ الإشارةَ إلى (مَرْقَدِنَا) وليسَ كَذَلِكَ عندَ أَئِمَّةِ التفسيرِ، ففيه تنبيهٌ حَسَنٌ، إلا أنَّ الأقبحَ منه وصلُ (مَرْقَدِنَا) فإنَّ وَقْفَه عندَ أربابِ الوقوفِ لازمٌ، لما سَبَقَ، وإنْ وُصِلَ هذا بما بعدَه لحصولِ تَوَهُّمِ ما تقدَّمَ، واختارَ حفصٌ عَن عَاصِمٍ السكتَ على (مَرْقَدِنَا) وهو وقفَةٌ لطيفةٌ مِن غيرِ تنَفُّسٍ لحصولِ هذا المعنى، ولدفعِ تَوَهُّمِ ذلكَ المبنى؛ ولأنَّ هذا وما بعدَه معَ ما قبلَه داخلانِ في أجزَاءِ مقولِهم، فلا يَحْسُنُ القطعُ بالكُلِّيَّةِ بينَ مقولِهم، فَتَأَمَّلْ؛ فإنَّه موضعُ تحقيقٍ ومَحَلُّ تدقيقٍ، كما اختارَ السكتَ أيضًا على قوله في سورةِ الكهفِ} وَلَمْ يَجْعَلْ له عِوَجًا {وغيرُه جعلَ وَقْفَه مُطْلَقًا، معَ أنَّهُ مِن رؤوسِ الآىِ، ويتبيَّنُ لكَ وجهُ سكتِه وسببُ العُدُولِ عن وقفِه ممَّا حكاهُ بعضُهم مِن أنَّهُ سمِعَ شيخًا يُعْرِبُ لِتِلْمِيذِهِ (قَيِّمًا) مِن قولِه تعالى:} ولم يَجْعَلْ له عِوَجًا قَيِّمًا صفةً لِعِوَجًا قالَ فَقُلْتُ له: يا هذا كيفَ يكونُ الْعِوَجُ قَيِّمًا وَتَرَحَّمْتُ على مَن وقفَ من القُرَّاءِ على ألفِ التنوينِ في (عِوَجًا) وَقَفَةً لطيفةً دفعًا لهذا الوهمِ وإنَّما (قَيِّمًا) حالٌ إمَّا مِن اسمٍ محذوفٍ هو وعاملُه، أي أَنْزَلَه قَيِّمًا، وإمَّا مِن (الكتابِ) وجملةُ النفيِ مَعْطُوفةٌ على الأَوَّلِ ومُعْتَرِضَةٌ على الثاني على ماذكرَه المُفْتِي.

بابُ مَعْرفةِ المقطوعِ والموصولِ:

(واعرفْ لمقطوعٍ وموصولٍ وتا) أي: كنْ عَارِفًا بها وعالمًا بمواضعِ اختلافِها وقَدَّمَ المقطوعَ؛ لأنَّه الأصلُ الموضوعُ (في مصحفِ الإمامِ فيما قَدْ أَتَى) والمرادُ بالتاءِ تاءُ التأنيثِ التى كُتِبَتْ بالتَّاءِ المجرورةِ وحقُّها علي القياسِ أنْ تُكْتَبَ بالتاءِ المربوطةِ، فالجمهورُ يَقِفُونَ عليها بالتاءِ متابعةً للرسمِ العثمَانيِّ، وبعضُهم يَقِفُونَ بالهاءِ، كما فَصَّلَه الشاطبيُّ، بِناءً على قواعدِ كتابةِ العربيَّةِ، فخرَجَ بما قرَّرْنَا نحوَ: قالَتْ، والمؤمناتُ، فإنَّه لاخلافَ فيهما رسمًا ووقفًا عندَ جميعِ القُرَّاءِ، والمرادُ بمصحفِ الإمامِ هو مصحفُ أميرِ المؤمنينَ عثمَانَ بنِ عفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه الذي اتَّخَذَه لنفسِه يقرأُ فيه، كما قالَ الشيخُ زكريَّا، وليسَ هو بخطِّه كما تَوَهَّمَهُ بعضُهم على ما ذكرَه الشيخُ خالدٌ ولعلَّه أرادَ الشارحَ اليمنيَّ حيثُ قالَ: هو المرادُ بمصحفِ الإمامِ في البيتِ ما كتبَه أميرُ المؤمنينَ عثمَانُ رَضِيَ اللهُ عنه لنفسِه على الخصوصِ ا. هـ. وهو وهمٌ إذ هو أَمَرَ زيدَ بنَ ثابتٍ كاتبَ الوحيِ وغيرَه بأنْ يكتبُوا المصاحفَ المتعدِّدَةَ، وَأَرْسَلَهَا إلى مواضعَ مختلفةٍ، واختارَ واحدًا منها لنفسِه، ولأهلِ المدينةِ، وما بقِي منها شيءٌ، والأظهرُ أنَّ المرادَ بمصحفِ الإمامِ جنسُه الشاملُ لِمَا اتَّخَذَهُ لنفسِه في المدينةِ ولِمَا أَرْسَلَه إلى مكَّةَ والشامِ والكوفةِ والبصرةِ وغيرِها، ولامٌ (لِمَقْطُوعٍ) زِيدَ لتأكيدِ التعديةِ والتقويةِ وقَصْرُ (تا) كوقفِ حمزةَ، وهو مجرورٌ للعطفِ على مثلِه فيما قَبْلَهُ، وقدْ أبعدَ الشيخُ زكريَّا حيثُ قَطَعَهُ عمَّا قبلَه وقالَ: واعرفْ تاءَ التأنيثِ إلخَ، وكذا قولُ المصريِّ: إنه يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ بمعنى على، والتقديرُ اعرف الوقفَ على المقطوعِ والموصولِ ليسَ في مَحَلِّهِ؛ لأنَّ المُرادَ ههنا مَعْرِفةُ المقطوعِ والموصولِ رسمًا، وإنَّما يَتَرَتَّبُ عليه علمُ الوقفِ والوصلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت