فهرس الكتاب
في الأعرافِ، على خلافٍ في الخطابِ والغَيْبةِ و أنْ لا أقولَ على اللهِ إلا الحقَّ {فيها أيضًا في أَوَّلِ السورةِ، وَأُخِّرَ للضرورةِ و (لا أقولُ) عطفٌ على (لايقولوا) بحذفِ العاطفِ، لا أنَّ (أن) حُذِفَ ضرورةً كما تَوَهَّمَ المصريُّ، وقالَ الروميُّ: قولُه (أنْ لايقولُوا) عطفٌ على ما سبقَ، وكَرَّرَ (أنَّ لا) ههنا لطولِ العهدِ، وقولُه (لا أقولُ) عطفٌ على (أنْ لايقولُوا) بحسبِ المعنى، فتقديرُه (أنْ لا أقولَ) وإنَّما ذَكَرَ (لا) وَحَذَفَ (أن) للوزنِ، لكن جعلَ (لا أَقُول) منصوبًا لِيَدُلَّ على تقديرِ (أن) ا. هـ. ولا يَخْفَى أن لامعنى لطولِ العهدِ أصلًا في ذكرِ (أن لا) فإنَّه على أصلِه وصلًا وفصلًا، والصوابُ ما قدَّمْنَاه مِن أن (لا أقول) عطفٌ على (لايقولُوا) كما هو صحيحُ المبنى فلا يحتاجُ عطفُه على (أنْ لا يقولُوا) بحسبِ المعنى وبهذا تَمَّت العشرةُ، والمفهومُ مِن إفادةِ الحصرِ أنَّ كُلَّمَا جاءَ (أنْ لا) مِن غيرِها تكونُ موصولةً اتفاقًا، نحوَ} ألَّا يَرْجِعَ إليهم قولًا {و} ألَّا تَزِرُ وازرةٌ وزرَ أُخْرَى {إلا في سورةِ الأنبياءِ مِن قولِه} أنْ لا إلهَ إلا أنتَ {فإنَّهم اخْتَلَفُوا في قطعِها ووصلِها، ويمكنُ إدراجُها تحتَ عمومِ قولِه سابقًا: (ولا إلهَ إلا) ، أو يقالُ لعلَّ مختارَ الشيخِ أنَّهُ موصولٌ، وقد ذهبَ الشيخُ زكريَّا إلى ظاهرِ كَلَامِ المصنِّفِ رحمَهُ اللهُ حيثُ قالَ: وما عدا العشرةَ موصولٌ، نعم قالَ اللبيبُ: والوصلُ أشهرُ، فالقطعُ هو الأَوْلَى، فإنَّه الأصلُ، من انفصالِ إحدى الكلمتينِ عن الأخرى، ووجهُ الوصلِ هو التقويةُ، وقصدُ الامتزاجِ، وتنزيلُه منزلةَ المحذوفِ؛ لأنَّ النونَ لمَّا أُدْغِمَتْ بلا غُنَّةٍ فكأنَّهَا ذهبتَ بالكُلّيَّةِ لفظًا، فسَقَطَتْ رسمًا، فيجري عليها حكمُ نونِ (جنَّةٍ) المُدْغَمَةِ، مِن أنَّهَا لم تُرْسَمْ، فإنَّها لكمالِ اتِّصَالِها عُدَّتْ كلمةً واحدةً، واعْتُبِرَتْ تلك الحالةُ، ثمَّ المرادُ بالوصلِ وصلٌ اعبتاريٌّ، وهو أنْ يوجدَ هناكَ حذفُ حرفٍ لا وصلٌ صوريٌّ لِاستحالةِ اتِّصَالِ الهمزةِ بالنونِ في الكتابةِ ثمَّ قال: (إنَّ ما بالرعدِ والمفتوحَ صلْ وعن ما) أي: وكذا اتَّفَقُوا أيضًا على قَطْعِ (إن) الشرطيَّةِ عن (ما) المُؤَكِّدَةِ في قولِه تعالى:} وإنْ مَا نُرِيَنَّكَ بعضَ الذي نَعِدُهُمْ {بالرعدِ، واتَّفَقُوا على وصلِ ميمِ (أم) (بما) الاسميَّةِ حيثُ جاءتْ، نحوَ} أمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ {بالأنعامِ، و} أمَّا يُشْرِكُونَ {و} أمَّاذا كنُتْمُ {كلَاهما بالنملِ، لكنْ عبارةُ الناظمِ قاصرةٌ عن ذلكَ؛ لعدمِ تَقَدُّمِ (أم) هنالكَ، وأمَّا قولُ ابنِ المصنِّفِ في هذه الأمثلِة: إنَّهُم اتَّّّّّفَقُوا على (وصلِ) (أنْ) المفتوحةِ بما الاسميَّةِ فَوَهْمٌ، لذِكْرِهِمْ هذِه الأمثلةَ في مُقَابَلَةِ (إن) المكسورةِ معَ (ما) , والتحقيقُ ما قَدَّمْنَا، نعم احْتُرِزَ بقيدِ (الرعدِ) المفيدِ للحصرِ عن غيرِها ما جاءَ في سائرِ السورِ مِن قولِه تعالى:} فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى {في البقرةِ،} وإمَّا تَخَافَنَّ {بالأنفالِ،} فإمَّا تَريِنَّ {بمريمَ، و} إمَّا نُرِيَنَّكَ {بـ يونُسَ وغافِرٍ، فقولُه (والمفتوحَ صِلْ) أرادَ به (أمَّا) المفتوحَ الهمزةِ ولو كانَ أصلُه (أم ما) لا (أنَّ ما) ، وإنَّما ذكَرَه بعدُ اسْتِطْرَادًا، أو لمِا بينَهما مِن نسبةِ اللفظِ اشتباهًا، ذكرَ المصريُّ أنَّهُ قالَ في المُقْنِعِ: وقولُه:} أمَّا اشْتَمَلَتْ هي في المصحفِ حرفٌ واحدٌ، ومَعْناها (أمْ الذي) .
قلتُ: وأطلقَ الناظمُ الحكمَ فيه ولم يُقَيِّدْهُ بموضعٍ، وهو الصوابُ، لاتِّفَاقِ المصاحفِ عليه، وأَفْهَمَ كَلَامُ المُقْنِعِ تَقْيِيدَه بـ (ما اشْتَمَلَتْ) وليسَ كذلكَ. أقولُ: التَّخْطِئَةُ خطأٌ فاحشٌ على إمامِ الكُلِّ في هذا الفنِّ، وإنَّما نشأَ هذا مِن قُصُورِ فهمِ القائلِ؛ لأنَّ قولَه (أمَّا اشْتَمَلَتْ) أولُ ما وقعَ في القرآنِ وقد بيَّنَه بتعليلِه الشاملِ له ولغيرِه حيثُ قالَ: مَعْناه (أمْ شيءٍ) فكُلُّ الصيدِ في جوفِ الفرا، فافهمْ بلا امتراءٍ.