الصفحة 86 من 105

واتَّفَقَت المصاحفُ أيضًا على قَطْعِ (عن) عن (ما) الموصولةِ في قولِه تعالى: فلمَّا عَتَوْا عِن ما نُهُوا عنه {في الأعرافِ، وإليه أشارَ بقولِه (نُهُوا اقْطَعُوا مِن ما مَلَكَ رُومَ النساءِ) ، ففي غيرِ الأعرافِ تكونُ موصولةً كَمَا في قولِه تعالى} عَمَّا تَعْمَلُونَ {} وَلَئِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عمَّا يَقُولُونَ {و} سُبْحَانَه وتَعَالَى عمَّا يُشْرِكُونَ {و} عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ {و} عَمَّا قَلِيلٌ {هذا وقد ضُبِطَ (رومَ) بالرفعِ، والنصبِ , وهو الأَوْلَى؛ ليكونَ نصبُه على نزعِ الخافضِ، ويُؤَيِّدُهُ ما في نسخةٍ صحيحةٍ وهي أصلُ الشيخِ زكريَّا: (نُهُوا اقْطَعُوا ممَّا برومِ النساءِ) والمعنى أنَّ المصاحفَ اتَّفَقَتْ على قطعِ (مِن) الجارَّةِ عَن (ما) الموصولةِ نحوَ: مِن مَامَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِن شُرَكَاءَ} بالرَّومِ، و {مِن مَامَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِن فَتَيَاتِكُمْ} بالنساءِ، وقَدَّمَ الرُّومَ لأجلِ الوزنِ، والخِطَابُ في (اقْطَعُوا) للقُرَّاءِ ولكَتَبةِ المصاحفِ، ومفعولُه (عَن مَانُهُوا) وما بعدَه مَعْطُوفٌ على ماقبلَه بحذفِ العاطفِ. (خُلْفُ المُنَافِقِينَ أمْ مَن أَسَّسَا) بالألفِ الإطلاقِ مَعْروفًا ومجهولًا، كما قُرِيءَ بهما في السبعةِ، والأكثرُ على الأَوَّلِ وقولُه (خُلْفُ) ضبط بالرفعِ، أي خُلْفُ مافي المنافقين ثَبَتَ، كما ذكَرَه الشيخُ زكريَّا، وبالنصبِ على أنَّهُ ظرفٌ لاقْطَعُوا، بتقديرِ مضافٍ، أي: معَ خُلْفِ المنافقينِ، والمعنى اخْتَلَفَتْ المصاحفُ في قطعِ {وأنْفِقُوا ممَّا رَزَقْنَاكُمْ} في المنافقينَ، بخلافِ ما عدا هذه الثلاثةَ فإنَّهُ موصولٌ اتِّفاقًا، نحوَ: {ممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} و {ممَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنا} َ، وأمَّا قولُه: {مِن مالِ اللهِ} و {مِن ماءٍ مَهِينٍ} وشبهُهُ فمقطوعٌ، ولعلَّه قَيَّدَه بقولِه (مَالكَ) لهذا وكذا لاخلافَ في نحوِ (ممَّنَ منعَ) و (ممَّن افترى) ونحوَ ذلكَ في أنَّ (مِن) موصولةٌ (بِمَن) المَوْصُولَةِ، ثمَّ قولُه: (أمْ مَنْ أَسَّسَا) مَعْطُوفٌ على مفعولِ (اقْطَعُوا) بحذفِ العاطفِ، والجملةُ بينَهما مُعْتَرِضةٌ، والمعنى أنَّهُم اتَّفَقُوا على قطعِ (أمْ عن(مَن) الاستفهاميَّةِ في {أمْ مَن أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} في التوبةِ و {أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا} في فُصِّلَتْ، و {أمْ مَن يكونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} بالنساءِ، و {أمْ مَنْ خَلَقْنَا} في الذَّبْحِ بكسرِ الذالِ، وهو الصافَّاتُ، لقولِه تعالى فيها: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} كما قالَ: (فُصِّلَتْ النسا وذِبْحٌ حيثُ ما) وقَصَرَ النساءَ ضرورةً، وكذا حذْفُ العاطفِ فيهما، وقد أغربَ المصريُّ حيثُ قالَ: أبعدَ المصنِّفُ في الدلالةِ بقولِه (وذِبْحٌ) ، ولوْ قالَ (فُصِّلَتْ النساءُ خُلِقْنَا حيثُ ما) لكانَ أقربَ كعادتِهَ ولعدمِ نظيرِه ا. هـ. وغرابةُ تعبيرِه لاتَخْفَى، وأمَّا قولُ الروميِّ: إنَّ (النساءَ) عطفٌ على (فُصِّلَتْ) بحسبِ المعنى، فلا معنى له؛ إذ يصحُّ مِن حيثُ المبنى، واتَّفَقُوا على وصلِ ما عدا الأربعةَ نحوَ: {أَمَّنْ لا يَهْدِي} و {أَمَّن خَلَقَ السمواتِ} و {أَمَّنْ يُجِيبُ المُضطرَّ إذا دَعَاهُ} فوجهُ الفصلِ كونُه الأصلَ، ووجهُ الوصلِ التقويةُ، ووجهُ الخُلْفِ الجمعُ، ثمَّ قولُه: (حيثُ ما) مَعْطُوفُ المَحَلِّ على مفعولِ (اقطعُوا) َ، والمعنى أنَّهُم اتَّفَقُوا على قطعِ (حيثُ) عن (ما) في مَوْضِعَي البقرةِ، ولمْ يأتْ غيرُهُمَا، وَهُمَا قولُه تعالى: {وحيثُ ما كُنْتُم فَوَلُّوا وُجُوهَكُم شَطْرَهُ} وقولُه: {وحيثُ مَا كُنْتُم فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لئلَّا} وقد دلَّ إطلاقُ الناظمِ على إرادةِ شمولِها وِفَاقًا للشاطبيِّ في الرائيَّةِ، وقد نصَّ (المُقْنِعُ) على موضعي البقرةِ.

و (أنْ لم المفتوحَ كسرُ إنْ ما) بنصبِ المفتوحِ، على أنَّهُ مفعولٌ، تقديرُه: واقْطَعُوا أنْ لم المفتوحَ همزتُه، وهو (أنْ) المصدريَّةُ عن (لم) الجازمةِ أينَما وقعتْ لإطلاقِ حُكْمِه، نحوَ {ذلكَ أنْ لم يكنْ رَبُّكَ} في الأنعامِ، {أَيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ} في البلدِ (وَقَيَّدَ بالمفتوحِ احترازًا عن المكسورِ فإنَّ بعضَه مقطوعٌ وبعضَه موصولٌ كما سيأتي) و

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت