الصفحة 87 من 105

(كسرُ إنَّ ما) منصوبٌ أيضًا على المفعوليَّةِ أي: اقطعُوا (إنْ) المكسورةَ عن (ما) الموصولةِ بالأنعامِ فقطْ، نحوَ: {إنْ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ} ولهذا قالَ (الأنعامَ والمفتوحُ يَدْعُونَ معَا) إعلالُ الأنعامِ سبقَ في الأضراسِ، وهو منصوبٌ على نزعِ الخافضِ، (والمفتوحَ) منصوبٌ، أي: اقْطَعُوا (أنْ ما المفتوحَ) همزتُه مِن قولِه تعالى {وأنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِه هو الباطلُ} في الحجِّ، و {أنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِه الباطلُ} في (لقمانَ) على خلافِ خطابِهِمَا وَغَيْبَتِهِمَا، وهذا معنى قولِه (معَا) أي: في الموضعينِ جميعًا وحَذَفَ تَنْوِينَه وقفًا (وَخُلْفُ الأنفالِ) بالنقلِ (ونحلٌ وَقَعَا) بألفِ الإطلاقِ نظرًا إلى إفرادِ لفظِ الخُلْفِِ، أو بألفِ التثنيَّةِ نظرًا إلى وقوعِ الْخُلْفِ في السورتينِ، والتقديرُ وَخُلْفُ مافيهما وقعَ في رسومِ المصاحفِ، وهو بمنزلةِ الاستثناءِ مِن مفهومِ كَلَامِه السابقِ لفًّا ونشرًا مُشَوّ‍ََشًا مِن (أنَّ) المكسورَ والمفتوحَ معَ (ما) .

والحاصلُ أنَّهُم اختلفُوا في وصلِ إنَّ ما المكسورةِ وقطعِه في قولِه تعالى: {إنَّما عندَ اللهِ هو خيرٌ لَكُمْ} في النحلِ، والوصلُ أَثْبَتُ، كما في الرائيَّةِ، والباقي موصولٌ اتِّفَاقًا، نحوَ: {إنَّما صنعُوا كيدَ ساحرٍ} {إنَّما تُوَعَدُونَ لَصادقٌ} {إنَّما تُوعَدُونَ لَواقعٌ} {إنَّما اللهُ إلهٌ واحدٌ} {إنَّما أنتَ منذرٌ} {إنَّما أنا بشرٌ مِثْلُكُمْ} .

وكذا اختلفُوا في وصلِ (أنَّما) المفتوحِ وَقَطْعِه في قولِه: {واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شيءٍ} بالأنفالِ، والواصلُ أثبتُ، كما في الرائيَّةِ، واتَّفَقُوا على وصلِ ماعدَاه نحوَ: {يُوحَى إليَّ أنَّما إلهُكُمْ إلهٌ واحدٌ} {إنْ يُوحَى إليَّ إلا أنَّما أنا نذيرٌ مبينٌ} و {فَاعْلَمُوا أنَّما على رسولِنا البلاغُ المبينُ} ، ثمَّ اعلمْ أنَّ في كَلَامِه ما لا يَخْفَى مِن الإيهامِ والإبهامِ، فإنَّهُ أوهمَ أنَّ كُلًّا منهما مفتوحةٌ، وَأَبْهَمَ المكسورةَ، معَ أنَّ في النحلِ ثمانيةَ مواضعَ غيرُ هذِهِ المكسورةِ، قالَ بحْرَقٌ: وإنَّما تَعَيَّنَتْ؛ لكونِها اسميَّةً وماعداها فعْلَيَّةٌ {إنَّما يَبْلُوكُم} {إنَّما سُلْطَانُه} {إنَّما قَوْلُنَا لشيءٍ} أ. هـ. وخَطَؤُهُ ممَّا لايَخْفَىَ؛ لأنَّ كُلًّا مِن المِثَالينِ الآخرينِ اسميَّةٌ، ولا يفيدُه وقوعُ الجملِ الفعليَّةِ بعدَهما، مِن قولِه (إذا أَرَدْنَا) ومن قولِه (يَتَوَلَّوْنَه) إلا بتكَلُّفٍ لا يَخلُو مِن تَعَسُّفٍ في الجملةِ، نعم لو قالَ وما عداها عُرْفيَّةٌ لكانَ تَفْرِقَةً منه خفيَّةً. (وكُلِّ ما سَأَلْتُمُوه واخْتَلَفْ) بكسرِ (كُلٍّ) على الحكايةِ، وإلا فهو منصوبٌ على المفعوليَّةِ أي: اقطعُوا لفظَ (كُلٍّ) عن (ما) في (سَأَلْتُمُوهُ) في سورةِ إبراهيمَ، واخْتَلَفَ أربابُ الرسومِ في غيرِه فوقعَ الاختلافُ في (كُلِّ ما) (رُدُّوا كذا قلْ بِئْسَما والوصلُ صِفْ) فـ {كُلُّ مارُدُّوا إلى الفتنةِ} بالنساءِ مُخْتَلَفٌ في فصلِه وقطعِه، وكذا وقعَ الاختلافُ في {كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ} في الأعرافِ و {كُلَّماجاءَ أُمَّةً} بالمؤمنينِ و {كُلَّما أُلْقِيَ} بالْمُلْكِ، كما نصَّ أبو عمرٍو الدانيُّ في (المُقْنِعِ) على الخلافِ في هذه الثلاثةِ، ففي هذا قصورٌ من الناظمِ للكَلَامِ عن مقامِ المرامِ، حتَّى قالَ ابنُ المصنِّفِ: وعبارةُ الناظمِ لا تُفْهِمُ الخلافَ في هذه الثلاثةِ، وأمَّا قولُ الروميِّ: وَلَعَلَّهُ سَكَتَ عنها اكتفاءً بذكرِ واحدٍ منْها ولاشتهارِ ماعدَاه عندَهم، فعذرٌ باردٌ، وعن خطورِ الفهمِ شاردٌ، فَنَظَمْتُ فَقُلْتُ:

وجاءَ أُمَّةٌ وَأُلْقِيَ دَخَلَتْ ... فِي وَصْلِهَا وَقَطْعِهَا فَاخْتُلِفَتْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت