الصفحة 88 من 105

فَمَا عَدَا الخمسةَ اتَّفَقُوا على وصلِه، نحوَ: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رسولٌ} {كُلَّمَا نَضِجَتْ} {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نارًا لِلحَرْبِ} هذا ومِن المَعْلومِ أنَّ خَطَّيْنِ لايُقَاسَانِ؛ خطَّ العروضِ، وخطَّ المصحفِ، وإنَّما يُتْبَعُ الرسمُ تَعَبُّدًا وَتَبَرُّكًا واقْتِدَاءً بالصحابةِ الكرامِ كتابةً وقراءةً، وقد نَبَّهَ الزَّجَّاجِيُّ على أنَّ (كُلَّمَا) إنْ كانتْ ظرفًا كُتِبَتْ مَوْصُولَةً أوْ شَرْطًا فَمَقْطُوعَةً فهي إنْ لم تَحْتَمِل الظرفيَّةَ كقولِه تعالى {وَآتَاكُمْ مِن كُلِّ مَاسَأَلْتُمُوهُ} فمقطوعةٌ أي: قطعًا وإنْ احْتَمَلتْها وَعَدَمَها كالمواضعِ المذكورةِ آنفًا ففيها خلافٌ، وإن تَعَيَّنَتْ للظرفيَّةِ فموصولةٌ. قلتُ: فكأنَّهُ أَخَذَ هذه القاعدةَ المَذْكُورةَ مِن ضمنِ رسومِ (كُلَّمَا) المسطورةِ، وأمَّا ما عدَاها نحوَ {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ} فموصولٌ، ثمَّ قالَ (كَذَا قُلْ بِئْسَمَا) أي: {بِئْسَ مَا يَأْمُرُكُمْ بِه إِيمَانُكُمْ} بالبقرةِ مُخْتَلَفٌ أيضًا في وصلِه وقطعِه، ثمَّ جَزَمَ بقولِه: (والوصلَ صِفْ) (خَلَفْتُمُونِي واشْتَرَوْا في ما اقْطَعَا) أي: صِفِ الوصلَ في {بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي} بالأعرافِ و {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِه أَنْفُسَهُمْ} بالبقرةِ اتِّفَاقًا، ومفهومُ كَلَامِه أنَّ ماعدا هذه الثلاثةَ مقطوعٌ بلا خلافٍ، وهو حيثُما وقعَ (بِئْسَمَا) مَقْرُونًا باللامِ، وهي خمسةٌ: {وَلَبِئْسَ مااشْتَرَوْا به أَنْفُسَهُمْ} البقرةُ {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ} بالمائدةِ، أو مَقْرُونًا بالفاءِ وهو موضعانِ {فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ} في موضعي آلِ عمرانَ، بالمجموعِ سبعةٌ، لاسِتَّةٌ كما تَوَهَّمَ المصريُّ، ثمَّ قولُه (في ما قَطَعَا) ابتداءُ كَلَامٍ، وأصلُه (اقْطَعَنْ) قُلِبَتْ النونُ المُخَفَّفَةُ ألفًا حالَ الوقفِ، لا لضرورةِ الوزنِ كما ذكَرَه اليمنيُّ، (فيما) مفعولٌ مُقَدَّمٌ، والمعنى: اقطعْ (في عن) (ما) الموصولةِ في عشرةِ مواضعَ كما بيَّنَها بقولِه:

(أُوحِي أَفَضْتُمْ اشْتَهَتْ يَبْلُومعَا ثاني فَعَلْنَ وَقَعَتْ رومٌ كَلَا

تنزيلُ شُعَرَا وغيرَها صِلَا

أي: صِلَنَّ. أمرٌ بالوصلِِ مُؤَكَّدًا بالنونِ المُخَفَّفَةِ المُبْدَلَةِ ألفًا حالَ الوقفِ، أرادَ قولَه تَعَالَى: {قلْ لا أجدُ فيما أُوحِيَ إليَّ مُحَرَّمًا} بالأنعامِ، و {فيما أَفَضْتُم فيه} بالنورِ، و {في ما اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ} بالأنبياءِ، و {لكنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ} بالمائدةِ، {لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتاكُم} آخرُ الأنعامِ، وإليها أشارَ بقولِه (معَا) و {فِيمَا فَعَلْنَ في أَنْفُسِهِنَّ مِن مَعْروفٍ} ثاني البقرةِ، وإليه أشارَ بقولِه (ثاني فَعَلْنَ) احْتِرَازًا مِن أَوَّلِه، وهو قولُه {فيما فَعَلْنَ في أَنْفُسِهِنَّ بالمَعْروفِ} و {نُنْشِئُكُمْ في مَالا تَعْلَمُونَ} بالواقعةِ و {هلْ لكم مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِن شُرَكَاءَ في مارَزَقْنَاكُمْ} بالرَّومِ، {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ في مَاهُمْ فِيه يَخْتَلِفُونَ} {أنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ في ماكانُوا فيه يَخْتَلِفُونَ} كلاهما بالزُّمَرِ، وإليه أشارَ بقولِه (كَلَّا تنزيلُ) قولُه تعالى: {أَتُتْرَكُونَ في مَاهَهُنَا آمِنِينَ} بالشعراءِ، ثمَّ الضميرُ في قولِه و (غَيْرَها صِلَا) راجعٌ إلى سورةِ الشعراءِ؛ لكونِها أقربَ مذكورٍ؛ ولأنَّهُ المُطَابِقُ لكتبِ الرسمِ والموافقُ لما صَرَّحَ، الشاطبيُّ في قولِه (وفي سوى الشعراءِ بِالْوَصْلِ بَعْضُهمْ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت