الصفحة 95 من 105

لأنَّهَا في الزخرفِ موضعانِ {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} و {رَحْمَتُ رَبِّكَ خيرٌ ممَّا يجمعُونَ ، والعمومُ يُفْهَمُ مِنْ إطلاقِ الناظمِ ومِن الإضافةِ الجنسيَّةِ، وفي الأعرافِ: إنَّ رَحْمَتَ اللهِ قريبٌ مِن المُحْسِنِينَ} وفي الرومِ {فانظرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ} ، وفي هودٍ {رَحْمَتُ اللهِ وبركاتُه} وفي مريمَ {ذِكْرُ رحمتِ رَبِّكَ} وفي البقرةِ {أولئكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ} وما عدا هذه السبعةَ بالهاءِ، نحوَ قولِه تعالى: {لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ} .

(نعمتُها ثلاثُ نحلَ إبرَهَمَ) بفتحِ الراءِ والهاءِ بلا ألفٍ لغةٌ في إبراهيمَ كما صرَّحَ به صاحبُ القاموسِ، فلا يحتاجُ إلى قولِ برهانِ الدينِ الحَلَبيِّ في شرحِه للمقدِّمَةِ: حُذِفَ منه الألفُ والياءُ؛ لأنَّه اسمٌ أعجميٌّ، والعربُ إذا عَرَّبَتْهُ تُخَالِفُ بينَ ألفاظِه للخفَّةِ وينضمُّ إلى ذلكَ ضرورةُ الوزنِ / ا. هـ. وفي جعلِه مُعَرَّبًا نظرٌ لا يَخْفَى، والمرادُ به سورتُه، و (ثلاثٌ) بالرفعِ عطفٌ على (نعمتُها) بحذفِ العاطفِ، والمفهومُ من كَلَامِ الشيخِ زكريَّا أنَّهُما منصوبانِ حيثُ قالَ: وزبرُ بالتاءِ أيضًا نعمتُها ولا يصحُّ قولُ الروميِّ إنَّه نُصِبَ على الظرفيَّةِ؛ إذ ليسَ في الكَلَامِ ما يصلحُ أنْ يكونَ ظرفًا لهَ، وجعلُه ظرفًا لقولِ (نعمتِها) مُخِلٌّ بالمعنى، لأنَّ ضميرَ (نعمتِها) راجعٌ إلى البقرةِ.

والحاصلُ أنَّ لفظَ (نِعْمَتُ) رُسِمَ بالتاءِ في أحدَ عشرَ موضعًا في البقرةِ {واذكرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُم وما أَنْزَلَ عَلَيْكُم} وفي النحلِ ثلاثُ مواضعَ {وبِنِعْمَتِ اللهِ همْ يَكْفُرُونَ} و {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ} و {واشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ} وفي إبراهيمَ موضعانِ {بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا} و {إنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوهَا} وإليهما أشارَ بقولِه (معًا أُخَيْرَاتَ عقودُ الثانِ هُمْ) ضُبِط أخيرات بالنصب، على الحالينِ من مجموعِ (ثلاثُ النحلِ) (مَوْضِعَي إبراهيمَ) احترازًا عن أوائلِ النحلِ وأَوَّلِ إبراهيمَ، وبالرفعِ على أنَّهُ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: وهنَّ أُخَيْرَاتٌ، وقالَ ابنُ المصنِّفِ: أُخَيْرَاتٌ صفةٌ لثلاثِ النحلِ وموضعي إبراهيمَ الْأَخِيرَيْنِ/ ا. هـ. ولا يخفى أنَّ الأخيرينِ في قولِه ليسَ في مَحَلِّه، واحْتُرِزَ به عَمَّا في أوَّلِ النحلِ: {وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوهَا} وعمَّا في أَوَّلِ إبراهيمَ: {اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ} ، ثمَّ ضبَطَ قولَه (عقودُ الثان) بضمِّ الدالِ وفتحِها، والضمُّ هو الأتمُّ على أنَّهُ عطفٌ على (ثلاثٌ) والمرادُ بالعقودِ سورةُ المائدةِ، ووقعَ (نِعْمَتُ) فيها في موضعينِ، والمرادُ هنا هو الثاني المَقْرُونُ (بهمَّ) بتشديدِ الميمِ الساكنِ وقفًا أي بقولِه (همَّ) يعني في قولِه {اذكرُوا نَعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إذ هَمَّ قومٌ} وأمَّا مَا في نُسْخَةٍ بَدَلَ (هَمَّ) (ثَمَّ) بفتحِ المثلثةِ، أي: هناكَ كما نقلَه الشيخُ زكريَّا فهوُ تصحيفٌ للمبنى، وتحريفٌ للمعنى، وأغربُ مِن هذا ما ذكرَه اليمنيُّ مِن أنَّ في بعضِ النسخِ (ثُمَّ) بضمِّ الثاءِ أي: ثُمَّ لقمانُ (لقمانُ , ثمَّ فاطرٌ كالطُّورِ) برفعِ لقمانَ وفاطرٌ، وفي نسخةٍ بِنَصْبِهِمَا على مِنْوالِ ما سبقَ في (عقودُ) ، ولعلَّ وجهَ النصبِ على نزعِ الخافضِ، أو على أنَّهُ مفعولٌ (زبر) كمَا تَقَدَّمَ وكذا قولُه: (عمرانُ لعنةٌ بها والنورِ) إلا أنَّ قولَه لعنةٌ مبتدأٌ منقطعٌ عمَّا قبلَه (والنوُر) مجرورٌ عطفًا على ضميرِه المجرورِ في (بها) الراجعِ إلى (عمرانَ) المرادُ به سورتُه مِن غيرِ تأكيدٍ بالمنفصلِ، على مذهبِ البعضِ مِن الكوفيينَ، وجمعٍ من البصريِّينَ، وهو مختارُ المُتَأَخِّرينَ من القُرَّاءِ والمفسِّرينَ، كما حقَّقْنَاه في حاشيَّةِ الجلالينِ، عندَ قولِه تعالى: {تَسَاءَلُونَ بِه والْأَرْحَامِ} حيثُ قرأَ حمزةُ بالجرِّ والحاصلُ أنَّهُ في لُقْمَانَ عندَ قولِه تعالى {في البحرِ بِنِعْمَتِ اللهِ} وفى فاطرٍ {نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هلْ مِن خالقٍ غيرُ اللهِ} وفي الطورِ: {فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ} وفي آلِ عمرانَ {واذكرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إذ كُنْتُم أعداءً} مكتوبٌ بالتاءِ المجرورةِ، ولم يُرَتِّبْ بينَ السورِ للضرورةِ، وما عدا هذه المواضعَ المذكورةَ فكُلُّ (نعمةٍ) بالهاءِ مسطورةٌ، نحوَ قولِه: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت