فهرس الكتاب
وجاءت التروية: يقصد اليوم الثامن من ذي الحجة، وهو مبدأ أعمال الحج وقد توجهوا إلى منى، وهو من مسنونات الحج ويكره التقدم قبل الثامن، وهو خلاف السنة، وقد أهل الصحابة من البطحاء يقصد مكة، ومن أي مكان فيها جاز، قال في المغني:
(ويُستحب أن يفعل عند إحرامه، ما يفعله عند الإحرام من الميقات، من الغسل والتنظيف ويتجرد من المخيط .... ثم قال: ولا يسن أن يطوف بعد إحرامه) يرد على من استحبه. ثم دخل على زوجه الوفية، أي عائشة أم المؤمنين فألفاها باكية فسألها؟ فقالت: إنى حضت وقد حَلَّ الناس ولم أحلِل.
فقال: ما شأنك بين الناسِ؟ ... باكيةً من غير ما مساس
فقالت شأني أنني قد حضتُ ... والناس قد حلوا وما أحللت
ولم أطف بالبيت ثم الناسُ ... يلوون للحج له التماس
الشرح:
والمراد: أنه سأل زوجه عائشة: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، كما قال الناظم:
ولم أطف بالبيت ثم الناس ** يلوون للحج له التماس
أى حرصاء عليه يطلبونه.
فقال: إن هذا أمر كُتبا ... على بنات آدم وانسحبا
فاغتسلي للحج وأهلي ... واصنعي ما يصنع كالمحل
إلا الطواف والصلاة اجتنبِ ... فاسمعي للقول ولا تكترب
الشرح:
وعندئذ سلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله (إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أهلي بالحج، واصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفى بالبيت، ولا تصلي) . وهذا نص عظيم يفيد حرمة الصلاة والطواف للحائض، وأنه يجب عليها الانتظار حتى تطهر، خلافًا لمن قال: تتحفظ وتطوف، إذا خشيت فوات الرفقة، وهذا وإن كان يرد عليه، ففى حديث صفية وسيأتي (أحابستنا هى) ، فقالوا: إنها قد أفاضت، قال (فالتنفر إذن) ما يفيد صراحةً، بأنه عليه الصلاة والسلام سينتظرها حتى تطهر وتطوف وأنها سبب لحبس الرفقة
فليتأمل. [1]
(1) وقد قلت في نظم لبعض المسائل الفقهية:
والحيض مانع من الطواف ... إن كنت ذا فهم وذا إنصافِ
والخلق مشهور بهذي المسألة ... لا سيما عند ذهاب القافلة
لكننا نقول باطمئنانِ ... لا يصلح الطواف في أدران
كالحدث الأكبر والجنابة ... وحيض ذي الأنثى على الإصابة
لنهيه عائشة النبيلة ... لا تطف الآن وهي العليلهْ
وقوله لها بلفظ الجزم ... اصنعي ما يُصنع دون همِ
دون طواف كان أو صلاةِ ... واللفظ جازم بلا أناةِ
وقال للحلقى، وتلك العقرى ... انحبس الآن، وهذا المسرى؟!
فقيل قد أفاضت يا رسول ... فطابت السفرة والرحيل
وهو جلي دونما خلافِ ... يأمر بالحبس والانكفافِ =
= حتى تطوف تلكم المسكينة ... لتصبح الحجة ذي متينة
فلتنتظر قافلة النساءِ ... ليفعل الطواف في نقاءِ
هذا هو الحكم كذا السبيل ... لا عالم يدفع أو جليل
وبعد هذا النظم المستند للأدلة المانعة من طواف الحائض، وهو مذهب الجمهور، طالعت ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة، وقد رأيته أطال فيها، وجاء بكلام عجيب، يغر القارئ، وقد ذكر مسالك أهل العلم، ومآخذهم، ولوازم أقوالهم، ومال إلى ما يراه منسجمًا مع أصول الشريعة ومقاصدها، إلى أن الحائض إذا خشيت فوات الرفقة - اغتسلت، واستثفرت وطافت جابرة ذلك بدم، وقد تابعه كثير من مشيخة البلاد، ومع ما في بعض كلامه من قوة، إلا أننا لا نتجاسر على مجاوزة الحديث النبوي الصريح (حتى تطهري) ، وحديث صفية الدامغ لكل حجة وشبهة (أحابستنا هي) والله أعلم، أنظر الفتاوى 26/ 219