(الفرْقُ بينَ النهيِ والأَمْرِ)
وخالَفَ النهيُ الأمْرَ في أنَّهُ يَقْتَضِي الفَوْرَ والتَّكرارَ، فيَجِبُ الانتهاءُ في الحالِ، واستمرارُ الكَفِّ في جميعِ الأزمانِ؛ لأنَّ التَّرْكَ المُطْلَقَ إنَّما يَصْدُقُ بذلكَ.
وقولُهُ: (انْتَهِ) أمْرٌ مِن الانتهاءِ، وحَذْفُ المعمولِ يُفيدُ العمومَ؛ أي: انْتَهِ عنْ كلِّ ما نَهَى الشرْعُ عنهُ.
وأشارَ بقَوْلِهِ: (ويَقتضِي فَسَادَ ما عنهُ نُهِي) - بضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ الهَاءِ - مَبْنِيًّا للمجهولِ، إلى أنَّ النهيَ يَقتضِي فَسادَ الْمَنْهِيِّ عنهُ شَرْعًا، سَوَاءٌ كانَ الْمَنْهِيُّ عنهُ عِبادةً كصومِ يومِ العيدِ، أوْ عَقْدًا كالبُيوعِ الْمَنْهِيِّ عنها. وهذا في النهيِ المُطْلَقِ، أَمَّا الْمُقَيَّدُ بما يَقْتَضِي عدَمَ الفسادِ كما في بعضِ صُوَرِ البُيوعِ الْمَنْهِيِّ عنها ....
قالَ الأصلُ: الأمْرُ بالشيءِ نَهْيٌ عنْ ضِدِّهِ، والنهيُ عن الشيءِ أمْرٌ بضِدِّهِ.
الذي يَدْخُلُ في الْخِطابِ والذي لا يَدْخُلُ
ص ويَشْمَلُ الْخِطابُ كلَّ المؤمنينْ لا ذا الجُنُونِ والصِّبَا والغَافِلِينْ
والكافرونُ بالفروعِ خُوطِبُوا ... وشَرْطُها مِنْ أَجْلِ ذاكَ عُوقِبُوا
ش / المرادُ بالْخِطَابِ خِطابُ التكليفِ، وهوَ الوجوبُ والندْبُ والْحُرمةُ والكراهةُ والإباحةُ. وعَبَّرَ عن الدَّاخِلِ بالَّذِي؛ لأنَّهُ للعاقِلِ وغيرِهِ، وعنْ غيرِهِ بِمَا؛ لأنَّهُ مَنْ لم يَدْخُلْ في العقابِ ليسَ في حُكْمِ ذَوِي العقولِ، بلْ في حُكْمِ البهائمِ.
(ويَشْمَلُ كلَّ المؤْمِنِينْ) ؛ يَعني: أنَّ خِطابَ اللَّهِ يَشْمَلُ جميعَ المؤمنينَ الْمُكَلَّفِينَ، وهم العاقلونَ البالغونَ، ويَدْخُلُ الإِناثُ في خِطابِ الذُّكُورِ بالتَّبَعِ.
وأشارَ بقولِهِ: (لا ذا الجُنُونِ ... إلخ) إلى أنَّ المجنونَ والصبِيَّ والساهِيَ غيرُ داخلينَ في خِطابِ التكليفِ؛ لانتفاءِ التكليفِ عندَهم؛ لأنَّ شرْطَ الْخِطابِ الفَهْمُ، وهمْ غيرُ فاهمينَ للخِطابِ، ويُؤْمَرُ السَّاهِي بعدَ ذهابِ السهْوِ بجَبْرِهِ خَلَلَ السهْوِ، كقضاءِ ما فاتَهُ مِن الصلاةِ، وضَمانِ ما أَتْلَفَ مِن المالِ؛ لوُجودِ سببِ ذلكَ وهوَ الإتلافُ ودخولِ الوَقْتِ.
وقولُهُ: (والكافرونَ .. البيتَ) يَعني: أنَّ الكُفَّارَ مُخاطَبُونَ بفُروعِ الشريعةِ؛ مِنْ صلاةٍ وزكاةٍ وصِيامٍ ونحوِها، وبما لا تَصِحُّ إلاَّ بهِ وهوَ الإسلامُ. وأشارَ بقولِهِ: (مِنْ أَجْلِ ذاكَ عُوقِبُوا) إلى أنَّ الكُفَّارَ يُعاقَبُونَ على تَرْكِ الفروعِ، زيادةً على عِقابِهم على الكُفْرِ؛ لقولِهِ تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} .
العامُّ وألفاظُ العمومِ
ص ما عَمَّ شَيْئَيْنِ فصاعِدًا فعَامْ ألفاظُهُ أربعةٌ على الدَّوَامْ
مَنْفِيُّ لا والْمُبْهَمَاتُ تُورَدُ ... كذا الْمُحَلَّى جَمْعُهُ والْمُفْرَدُ
(تعريفُ العامِّ)
ش / العامُّ هوَ (ما عَمَّ شَيْئَيْنِ فصَاعِدًا) ؛ أيْ: فأكثَرَ مِنْ غيرِ حَصْرٍ.
قالَ الأصْلُ: مأخوذٌ مِنْ قَوْلِهم: عَمَّمَ زيدًا أوْ عَمْرًا بالعطاءِ، وعَمَّمْتُ جَمِيعَ الناسِ بالعطاءِ، وقولُهُ: (ما عَمَّ شَيْئَيْنِ) جنْسٌ يَشْمَلُ الْمُثَنَّى كرَجُلَيْنِ، وأسماءَ العددِ كثلاثةٍ وأربعةٍ ونحوِها ... وقولُهُ: مِنْ غيرِ حصْرٍ، فَصْلٌ مُخْرِجٌ للمُثَنَّى ولأسماءِ العَدَدِ؛ فإنَّها تَتناوَلُ شيئَيْنِ فصَاعِدًا، لكنَّها تَنتهِي إلى غايَةٍ مَحصورةٍ.