(المُطْلَقُ والْمُقَيَّدُ)
وقولُهُ: (والمُطْلَقُ احْمِلِ ... ) البيتَ، يعني أنَّ المُقَيَّدَ بصفةٍ يُحْمَلُ عليهِ المُطْلَقُ؛ كالرَّقَبَةِ قَيَّدَهُ بالإيمانِ في كَفَّارَةِ القتلِ، وأُطْلِقَتْ في كَفَّارَةِ الظِّهَارِ واليمينِ، فيُحْمَلُ المُطْلَقُ على المُقَيَّدِ احتياطًا.
وقولُهُ: (تَرَ) مجزومٌ في جوابِ الأَمْرِ ... ووَقَفَ على (جَلِي) بالسُّكُونِ على لُغَةِ رَبيعةَ، وهوَ منصوبٌ مَفعولٌ ثانٍ لـ (تَرَ) .
(أقسامُ التخصيصِ)
ص وخَصِّصِ النُّطْقَ بنُطْقٍ واقْتَبِسْ ... أقسامُهُ أَرْبَعَةٌ لا تَلْتَبِسْ
فسُنَّةٌ بسُنَّةٍ كذا كِتَابْ ... وذا بِذِي وعَكْسُهُ بلا ارْتِيَابْ
ش / هذا هوَ القِسْمُ الثاني مِن الْمُخَصِّصِ الْمُنْفَصِلِ لقولِهِ: (وخَصِّصِ النُّطْقَ بنُطْقٍ ... ) إلخ البيتِ، (النُّطْقُ) الكتابُ والسُّنَّةُ، وأشارَ بقولِهِ: (أقسامُهُ أربعةٌ) إلى أنَّ أقسامَ التخصيصِ أربعةٌ:
تخصيصُ الكتابِ بالكتابِ.
والسُّنَّةِ بالسُّنَّةِ.
والسُّنَّةِ بالكتابِ، وهذا مَعْنَى البيتِ الثانِي.
مِثالُ تخصيصِ الكتابِ بالكتابِ قولُهُ تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} الشامِلُ لأُولاتِ الأحمالِ، فخُصَّ بقَوْلِهِ: {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} .
وتَخصيصُ السُّنَّةِ بالسُّنَّةِ: كتخصيصِ حديثِ الصحِيحَيْنِ (فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ) بحدِيثِهما (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ) .
ومِثالُ تخصيصِ السُّنَّةِ بالكتابِ: تَخصيصُ حديثِ الصحيحيْنِ (( لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ ) )بقولِهِ: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} إلى قولِهِ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} .
وتخصيصُ الكتابِ بالسُّنَّةِ: كتخصيصِ قولِهِ تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} الآيَةَ، الشاملِ للولَدِ الكافرِ، خُصَّ بحديثِ الصحيحيْنِ: (( لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ ) ). فقولُهُ (فسُنَّةٌ بسُنَّةٍ) قِسْمٌ أوَّلُ.
وقولُهُ: (كذا كِتَابْ) قِسْمٌ ثانِي؛ لأنَّ مَعناهُ كذا كتابٌ بكتابٍ يَدُلُّ عليهِ ما قَبْلَهُ، وقولُهُ: (وذا بِذِي) يَعْنِي: الكتابُ بالسُّنَّةِ، وهذا قِسْمٌ ثالثٌ.
وقولُهُ: (وعَكْسُهُ) يَعْنِي السُّنَّةَ بالكتابِ، وهذا قِسْمٌ رابعٌ، وقولُهُ: (بلا ارْتِيَابْ) ؛ أيْ: بلا شَكٍّ تَكْمِلَةٌ.
قالَ الأَصْلُ: عاطفًا على ما تَقَدَّمَ مِنْ تخصيصِ الكتابِ بالكتابِ وما بعدَهُ، والنُّطْقُ بالقياسِ، ونَعْنِي بالنطْقِ قَوْلَ اللَّهِ تعالى وقولَ الرسولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
قالَ شارحُ الأصْلِ: لأنَّ القِياسَ مُسْتَنِدٌ إلى نَصٍّ مِنْ كتابٍ أوْ سُنَّةٍ، فكانَ ذلكَ هوَ الْمُخَصِّصَ. مثالُ تخصيصِ الكتابِ بالقياسِ قولُهُ تعالى: {وَالزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} ، خُصَّ عُمُومُهُ الشاملُ للأَمَةِ بقولِهِ تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} ، وخُصَّ عُمومُهُ أيضًا بالعبدِ الْمَقِيسِ على الأَمَةِ.