(وقوعُ النسخِ في القرآنِ والسُّنَّةِ)
وقولُهُ: (وجائزٌ نسْخُ الكتابْ ... ) إلخ؛ يَعني: أنَّ النسْخَ جائزٌ في الكتابِ، أي القرآنِ والسُّنَّةِ، واقعٌ فيهما.
(أقسامُ النسْخِ في القرآنِ)
وقولُهُ: (وجائزٌ في الرسمِ ... ) إلخ، يُشيرُ بهِ إلى أنَّ أقسامَ النسْخِ في القرآنِ ثلاثةٌ:
الأوَّلُ: نسْخُ الرسمِ؛ أيْ: إزالةُ الآيَةِ مِن الْمُصْحَفِ، وإزالةُ دَلالتِها على أنَّها قُرْآنٌ، معَ بقاءِ حُكْمِها والتكليفِ بهِ؛ نحوُ: (وَالشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيَا فارْجُمُوهُمَا البَتَّةَ) .
الثاني: نسْخُ الحكْمِ وبقاءُ الرسْمِ؛ نحوُ قولِهِ تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} نُسِخَتْ بالآيَةِ التي قَبْلَها، أَعْنِي قولَهُ تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} ، وهوَ كثيرٌ.
الثالثُ: نسْخُ الحكْمِ والرسْمِ معًا؛ نحوُ حديثِ مسلِمٍ: (( كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ، فنُسِخْنَ بخَمْسٍ معلوماتٍ) ؛ أيْ: ثمَّ نُسِخَتْ تِلاوةُ ذلكَ.
وقولُهُ: (وجازَ في الرسْمِ) إشارةٌ إلى الأوَّلِ، وقولُهُ: (أوْ في الحُكْمِ) إشارةٌ إلى الثاني، وقولُهُ: (أوْ في كِلَيْهِمَا) إشارةٌ إلى الثالثِ. وقولُهُ: (وَكُلٌّ رَوَوْا) مُبتدأٌ وخَبَرٌ، والرابطُ محذوفٌ؛ أيْ: رَوَوْهُ، ويَصِحُّ نَصْبُ (كُلٌّ) ، مفعولٌ مُقَدَّمٌ لـ (رَوَوْا) .
(أقسامُ النسْخِ مِنْ حيثُ نوعُ البَدَلِ)
ص وجازَ للأخَفِّ أوْ للأثقَلِ وبَدَلُ كذا لغَيْرِ بَدَلِ
ش / يَعني أنَّهُ يَجوزُ النسْخُ للأخَفِّ وتَرْكِ الأثْقَلِ، كقولِهِ تعالى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} ، ثمَّ قالَ: {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} . وإلى الأَثْقَلِ وتَرْكِ الأخَفِّ، كما في نَسْخِ التخييرِ بينَ صَوْمِ رمضانَ والفِدْيَةِ بالطعامِ إلى تَعْيِينِ الصومِ.
(أنواعُ النسْخِ مِنْ حيثُ وُجودُ البَدَلِ)
ويَجوزُ النسْخُ إلى بدَلٍ، كما في نَسْخِ استقبالِ بيتِ الْمَقْدِسِ باستقبالِ الكعبةِ، وإلى غيرِ بدَلٍ كما في قولِهِ تعالى: {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} .
(أنواعُ النسْخِ مِنْ حيثُ نوعُ الناسِخِ)
ص ويُنْسَخُ القرآنُ بالقُرْآنِ وسُنَّةٌ بسُنَّةِ سِيَّانِ
ويَنْسَخُ الكتابُ سُنَّةً وقَدْ اخْتَلَفُوا في عكْسِهِ ولكنْ وَرَدْ
ش / يعني أنَّهُ يَجوزُ نَسْخُ القرآنِ بالقرآنِ، كما في آيَتَيِ العِدَّةِ؛ قولِهِ تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ... } ، وآيَتَيِ الْمُصَابَرَةِ.
ويَجُوزُ نسْخُ السنَّةِ بالسنَّةِ، كما في حديثِ مسلِمٍ: (( كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا ) ). وقولُهُ: (سِيَّانِ) - بكسْرِ السِّينِ وشَدِّ الياءِ المثَنَّاةِ التحتيَّةِ - أيْ: مِثْلانِ - وهوَ مُثَنَّى سِيٍّ - بالكسْرِ والتشديدِ.
وقولُهُ: (ويَنْسَخُ الكتابُ سُنَّةً) يَعني: أنَّهُ يَجوزُ نَسْخُ السنَّةِ بالكتابِ، كما في نَسْخِ استقبالِ بيتِ الْمَقْدِسِ الثابتِ بالسنَّةِ الفِعْلِيَّةِ في حديثِ (الصحيحَيْنِ) بقولِهِ تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} .
وأشارَ بقولِهِ: (وقد اخْتَلَفُوا في عَكْسِهِ) ، فهوَ نسْخُ الكتابِ بالسنَّةِ؛ أيْ: أنَّ العلماءَ اخْتَلَفُوا في جَوَازِ ذلكَ ووُقوعِهِ.
قالَ في (جَمْعُ الجوامِعِ) : الصحيحُ أنَّهُ يَجوزُ نسْخُ القرآنِ بالسنَّةِ.