وقولُهُ: (لَكِنْ وَرَدْ) إشارةٌ إلى حديثِ التِّرمذيِّ: (( لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ) )؛ فإنَّهُ ناسِخٌ لقولِهِ تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} .
(أقسامُ النسْخِ مِنْ حيثُ دَرجةُ الناسِخِ والمنسوخِ)
ص ويُنْسَخُ الآحادُ بالآحادِ والمتواتِرُ بلا انتقادِ
ومتواتِرٌ بِمِثْلِهِ نُسِخْ ... لا بالآحادِ قالَ هذا مَنْ رَسَخْ
ش / يَعني: أنَّهُ يَجوزُ نَسْخُ الآحادِ بالآحادِ، وكذا بالمتواتِرِ، والمتواتِرُ بالمتواتِرِ لا بالآحادِ؛ لأنَّهُ دُونَهُ في القُوَّةِ.
قالَ شارحُ الأصْلِ: والصحيحُ الجوازُ؛ لأنَّ مَحَلَّ النسْخِ الحكْمُ، والدلالةُ عليهِ بالمتواتِرِ ظَنِّيَّةٌ كالآحادِ، واللَّهُ أعلَمُ.
وقولُهُ: (قالَ هذا مَنْ رَسَخْ) تَكمِلَةٌ، والرُّسوخُ الثبوتُ، والمرادُ الرُّسوخُ في العلْمِ، والراسِخُ كما قالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ، وَصَدَقَ لِسَانُهُ، وَاسْتَقَامَ قَلْبُهُ، وَعَفَّ بَطْنُهُ ) ).
التعارُضُ
ص ... إذا تَعَارَضَ عُمُومَانِ وَقَدْ أمْكَنَ جَمْعٌ لَهُمَا فيُعْتَمَدْ
وحيثُ لا فيُوقَفُ الأمْرُ إلَى أنْ يَظْهَرَ النسْخُ وترجيحٌ جَلا
وإنْ يُخَصَّ كذا وإنْ يُعَمَّ ... معَ الخصوصِ خَصِّصَنْ كما عُلِمْ
(تعريفُ التعارُضِ)
ش / التعارُضُ تفاعُلٌ مِنْ عَرَضَ الشيءُ يَعْرِضُ، كأَنَّ كُلاًّ مِن النَّصَّيْنِ عارَضَ الآخَرَ حينَ خالَفَهُ، والمرادُ بالتعارُضِ بينَهما: أنْ يَدُلَّ كُلٌّ منهما على ما يُنَافِي جميعَ الآخَرِ أوْ بَعْضَهُ.
(ما يَقَعُ فيهِ التعارُضُ)
ولا يَكُونُ التعارُضُ إلاَّ بينَ الأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ، فلا تَعَارُضَ بينَ قَاطِعَيْنِ، وأمَّا القَطْعِيُّ والظَّنِّيُّ فلا يَتعارضانِ، لكنْ يُقَدَّمُ القَطْعِيُّ لِقُوَّتِهِ.
(طُرُقُ دفْعِ التعارُضِ)
إذا تعارَضَ عُمُومَانِ؛ أيْ: نَصَّانِ عامَّانِ مِنْ كتابٍ أوْ سُنَّةٍ فلا يَخْلُو: إمَّا أنْ يُمْكِنَ الجمْعُ بينَهما أوْ لا، فإنْ أمْكَنَ جَمْعُهما وَجَبَ الْمَصيرُ إليهِ؛ لأنَّ فيهِ إعمالَ الدَّليليْنِ، ووَجْهُ الجمْعِ بينَهما يُحْمَلُ كُلٌّ منهما على حالٍ؛ إذْ لا يُمْكِنُ الجمْعُ بينَهما معَ إجراءِ كلٍّ منهما على عُمومِهِ؛ لأنَّ ذلكَ مُحَالٌ؛ لأنَّهُ يَقْضِي إلى الجمْعِ بينَ النَّقِيضَيْنِ، فإطلاقُ الجمْعِ بينَهما مَجازٌ عنْ تخصيصِ كلِّ واحدٍ منهما بحالٍ.
مثالُهُ: حديثُ مسلِمٍ: (( أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهُودِ: الَّذِي يَأْتِي بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا ) )، وحديثُ (الصحيحَيْنِ) : (( خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدُوا ) )، فحُمِلَ الأوَّلُ على ما إذا كانَ مَنْ لهُ شَهادةٌ عالِمًا، والثاني ما إذا كانَ غيرَ عالِمٍ بها، وهذا معنى قَوْلِهِ: (وحيثُ لا فَيُوقَفُ الأمْرُ إلى ... أنْ يَظْهَرَ النسْخُ وترجيحٌ جَلا) ؛ أيْ: ظهَرَ، والواوُ في (وَتَرْجِيحٌ) بمعنى أَوْ.
وإِنْ لمْ يُعْلَم الناسِخُ يُوقَفُ إلى ظُهورِ مُرَجِّحٍ لأَحَدِهما، مثالُهُ: قولُهُ تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ، وقولُهُ تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} ، الأوَّلُ يُجَوِّزُ الجمْعَ بينَ الأُخْتَيْنِ بمِلْكِ اليَمِينِ، والثاني يُحَرِّمُ ذلكَ، فتَوَقَّفَ فيهما رَضِيَ اللَّهُ