الصفحة 20 من 34

عنْهُ لَمَّا سُئِلَ عَنْهُمَا قالَ: (أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ) ، ثمَّ حَكَمَ الفُقهاءُ بالتَّحْرِيمِ لدليلٍ آخَرَ، وهوَ أنَّ الأصْلَ في الأَبضاعِ التحريمُ.

وقولُهُ: (وَإِنْ يُخَصَّا فكذَا) ؛ أيْ: وكذا إنْ كانَ النَّصَّانِ خاصَّيْنِ، فإنْ أمْكَنَ الجمْعُ بينَهما جُمِعَ، كما في حديثِ أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ (تَوَضَّأَ ورَشَّ الماءَ على قَدَمَيْهِ وهُمَا في النَّعْلَيْنَ) رواهُ النَّسائيُّ والبَيهقيُّ، فجَمَعَ بينَهما بالرَّشِّ في حالِ التجديدِ، ولنا في بَعْضِ الطُّرُقِ (أنَّ هذا وُضوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ) .

وإنْ لمْ يَكُن الجمْعُ بينَهما ولم يُعْلَم التَّأْرِيخُ تُوُقِّفَ فيهما إلى ظُهورِ مُرَجِّحٍ لأَحَدِهما.

مثالُهُ: ما جاءَ أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَمَّا يَحِلُّ للرَّجُلِ مِن امْرَأَتِهِ وهيَ حائضٌ، فقالَ: (( مَا فَوْقَ الإِزَارِ ) )، وجاءَ أنَّهُ قالَ: (( اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ ) )؛ أيْ: إلاَّ الوَطْءَ. ومِنْ جُملةِ ذلكَ الاستمتاعُ بما تَحْتَ الإزارِ، فتَعَارَضَ فيهِ الحَدِيثَانِ، فرَجَّحَ بعضُهم التَّحْرِيمَ احتياطًا، وبعضُهم الْحِلَّ؛ لأنَّهُ الأصْلُ في المَنْكُوحَاتِ، والأوَّلُ هوَ المَشْهُورُ عِنْدَنا - أي: المالكيَّةِ - وعندَ الشافعيَّةِ.

وإنْ عُلِمَ التأريخُ نُسِخَ المتقَدِّمُ بالمتأَخِّرِ، كما في حديثِ زيارةِ القبورِ.

قولُهُ: (وَإنْ يُعَمَّ معَ الخُصُوصِ) ؛ يَعني: أنَّهُ إذا كانَ أحَدُ الدَّلِيلَيْنِ عامًّا والآخَرُ خاصًّا يُخَصَّصُ العامُّ بالخاصِّ؛ كحديثِ الصحيحيْنِ: (( فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ ) )، وحديثِهما: (( لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ ) )، فيُخَصُّ الأوَّلُ بالثاني، سواءٌ وَرَدَا معًا أوْ قُدِّمَ أحَدُهما على الآخَرِ، أوْ ذُهِلَ التأريخُ.

وإنْ كانَ أحَدُهما عامًّا مِنْ وجهٍ وخاصًّا مِنْ وجهٍ، فيُخَصُّ عُمومُ كلِّ واحدٍ منهما بخصوصِ الآخَرِ إنْ أَمْكَنَ ذلكَ واحتيجَ للترجيحِ. مثالُ ما يُمْكِنُ فيهِ التخصيصُ: قولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لا يَنْجِسُ ) )، معَ قولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ (( الْمَاءُ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلاَّ مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ ) ).

فالأوَّلُ خاصٌّ بالقُلَّتَيْنِ عامٌّ في المُتَغَيِّرِ وغيرِهِ.

والثاني خاصٌّ في المُتَغَيِّرِ عامٌّ في القُلَّتَيْنِ وما دُونَهما.

فيُخَصَّصُ عُمُومُ الأوَّلِ بخصوصِ الثاني، فيُحْكَمُ بأنَّ القُلَّتَيْنِ تَنْجِسُ بالتَّغَيُّرِ، ويُخَصُّ عُمُومُ الثاني بخصوصِ الأوَّلِ، فيُحْكَمُ بأنَّ ما دُونَ القُلَّتَيْنِ يَنْجِسُ وإنْ لم يَتغيَّرْ. هذا مَذْهَبُ الشافعيَّةِ، ورَجَّحَ المالكيَّةُ الثانيَ؛ لأنَّهُ نَصٌّ، والثاني إنَّما يُعارِضُهُ بمَفْهُومِهِ.

ومثالُ ما لمْ يُمْكِنْ تخصيصُ عُمومِ كلٍّ منهما بخصوصِ الآخَرِ: حديثُ البخاريِّ: (( مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ) )، وحديثُ الصحيحَيْنِ أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَهَى عنْ قَتْلِ النساءِ. فالأوَّلُ عامٌّ في الرجالِ والنساءِ خاصٌّ بأهْلِ الرِّدَّةِ، والثاني خاصٌّ بالنساءِ عامٌّ في الحربِيَّاتِ والْمُرْتَدَّاتِ، فيَتعارضانِ في الْمُرْتَدَّةِ، هلْ تُقْتَلُ أمْ لا، فيُطْلَبُ الترجيحُ، وقدْ رُجِّحَ بقاءُ عُمُومِ الأوَّلِ وتخصيصُ الثاني بالحرْبِيَّاتِ بحديثٍ وَرَدَ في الْمُرْتَدَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الإجماعُ

ص إنَّ اتِّفاقَ العُلَمَا في حُكْمِ حادِثَةٍ إجْمَاعَهُمْ نُسَمِّي

ش / الإجماعُ: هوَ ثالثُ الأدِلَّةِ الشرعِيَّةِ الأربعةِ؛ أعْنِي: الكتابَ والسُّنَّةَ والإجماعَ والقياسَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت