الصفحة 24 من 34

واصطلاحًا - ما قالَهُ: رَدُّكَ الفَرْعَ لأَصْلِهِ؛ لِعِلَّةٍ تَجْمَعُهما في الْحُكْمِ؛ كقياسِ الأُرْزِ على الْبُرِّ في الرِّبا للعِلَّةِ الجامعةِ، وهيَ الاقتياتُ والادِّخارُ للقُوتِ عندَ الْمَالِكِيَّةِ، وكَوْنُها مَطعومًا عندَ الشافعيَّةِ، فالأصْلُ هوَ الْبُرُّ، والفرْعُ هوَ الأُرْزُ، والعلَّةُ هيَ الاقتياتُ والادِّخارُ. ومعنى رَدِّ الفرْعِ إلى الأَصْلِ: جَعْلُهُ راجِعًا إليهِ ومُساويًا لهُ في الْحُكْمِ.

أنواعُ القياسِ:

ص ... أقسامُهُ ثلاثةٌ يا مُنْتَبِهْ قياسُ عِلَّةٍ دَلالةٌ شَبَهْ

فالأوَّلُ عِلَّةٌ فيهِ تُوجِبُ الحكْمَ والثاني لهُ تُقَرِّبُ

وَهْوَ الاستدلالُ بالنظيرِ على نظيرِهِ بلا نَكيرِ

وثالثٌ فَرْعٌ على أَصْلَيْنِ يَدُورُ إلحاقُهُ بأَقْوَى ذَيْنِ

يعني أنَّ القياسَ ثلاثةٌ: قياسُ عِلَّةٍ، وقياسُ دَلالةٍ، وقياسُ شَبَهٍ.

فالأوَّلُ وهوَ قياسُ العِلَّةِ: وهوَ ما كَانَت العِلَّةُ فيهِ مُوجِبَةً للحكْمِ، وهذا معنى قولِهِ: (فالأوَّلُ العلَّةُ فيهِ تُوجِبُ الحكْمَ) ، ومعنى كوْنِ العلَّةِ موجِبَةً للحكْمِ؛ أيْ: مقْتَضِيَةً لهُ، أنَّهُ لا يَحْسُنُ عَقْلًا تَخَلُّفُ الحكْمِ عنها، ولوْ تَخَلَّفَ عنها لمْ يَلْزَمْ منهُ مُحالٌ، كما هوَ شأنُ العِلَلِ الشرعيَّةِ.

وليسَ المرادُ بالإيجابِ العقليِّ بمعنى أنَّهُ يَستحيلُ عَقْلًا تَخَلُّفُ الحكْمِ عنها، وذلكَ كقياسِ ضَرْبِ الوالدَيْنِ على التَّأْفِيفِ بجامِعِ الإيذاءِ؛ فإنَّهُ لا يَحْسُنُ في العقْلِ إباحةُ الضرْبِ معَ تحريمِ التأفيفِ.

القِسمُ الثاني: قياسُ الدَّلالةِ، وهوَ الْمُنَبَّهُ عليهِ بقولِهِ: (والثاني لهُ تَقَرُّبٌ وهوَ الاستدلالُ بالنظيرِ ... ) ؛ يَعني: أنَّ القِسمَ الثانيَ مِنْ أقسامِ القِياسِ ما كانت العِلَّةُ فيهِ مُقَرِّبَةً للحكْمِ لا مُوجِبَةً لهُ.

قالَ الأصلُ: وهوَ الاستدلالُ بأَحَدِ النظيرَيْنِ على الآخَرِ، وهوَ أنْ تكونَ العلَّةُ دالَّةً على الحكْمِ، ولا تكونَ مُوجِبَةً للحكْمِ اهـ.

قالَ شارحُ الأصْلِ: وهذا النوعُ غالبُ أنواعِ الأَقْيِسَةِ، وهوَ ما يكونُ لعلَّةٍ فيهِ مُسْتَنْبَطَةً، يَجوزُ أنْ يَتَرَتَّبَ الحكْمُ عليها في الفرْعِ، ويَجوزُ أنْ يَتَخَلَّفَ. وهذا النوعُ أصعَبُ مِن الأَوَّلِ؛ فإنَّ العلَّةَ فيهِ دالَّةٌ على الحُكْمِ، وليْسَتْ ظاهِرَةً فيهِ ظُهورًا لا يَحْسُنُ مَعَهُ تَخَلُّفُ الحُكْمِ، وذلكَ كقِيَاسِ مالِ الصَّبِيِّ على مالِ البالغِ في وُجوبِ الزَّكَاةِ أنَّهُ مَالٌ تَامٌّ، ويَجوزُ أنْ يُقالَ: لا يَجِبُ في مالِ الصبِيِّ كما قالَ أبو حَنيفةَ.

القِسمُ الثالثُ: ما أَفَادَهُ بقولِهِ: (وثالثٌ فرْعٌ على أَصْلَيْنِ يَدورُ إلحاقُهُ بأَقْوَى ذَيْنِ) ؛ يَعني: أنَّ قِياسَ الشَّبَهِ هوَ: الفرْعُ الْمُتَرَدِّدُ بينَ أَصلَيْنِ، فيُلْحَقُ بأَقْوَاهُمَا وهوَ أكْثَرُهما لهُ شَبَهًا، كالعبدِ المقتولِ فهوَ مُتَرَدِّدٌ في الضمانِ بينَ الإنسانِ الحُرِّ مِنْ حيثُ إنَّهُ آدَمِيٌّ، وبينَ البَهيمةِ مِنْ حيثُ إنَّهُ مالٌ، وهوَ بالمالِ أكثَرُ شَبَهًا مِن الْحُرِّ، بدليلِ أنَّهُ يُباعُ ويُوَرَّثُ ويُوقَفُ، وتُضْمَنُ أجزاؤُهُ بما نَقَصَ مِنْ قِيمتِهِ فيَلْتَحِقُ بهِ، وتُضْمَنُ قِيمَتُهُ وإنْ زادَتْ على دِيَةِ الْحُرِّ، وهذا النوعُ أضعَفُ مِن الذي قَبْلَهُ، واللَّهُ أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت