فهرس الكتاب
فإنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وفي الخطأِ أَجْرٌ بلا نُقْصَانِ
وفي الفُرُوعِ واحدٌ يُصِيبُ وقيلَ كُلُّ بَاذِلٍ يُصِيبُ
أمَّا أُصُولُ الدِّينِ فالْمُصِيبُ لا يَكُونُ إلاَّ واحدًا قدْ كَمُلا
تعريفُ الاجتهادِ:
ش / يَعنِي أنَّ الاجتهادَ هوَ بَذْلُ المجهودِ؛ أي: الوُسْعُ في بُلوغِ الغرَضِ المقصودِ مِن العلْمِ لتحصيلِهِ، بأنْ يَبْذُلَ تمامَ طاقتِهِ في النظَرِ في الأدِلَّةِ الشرعيَّةِ ليَحْصُلَ لهُ الظَّنُّ بالحكْمِ الشرعِيِّ.
شُروطُ الْمُجْتَهِدِ وأقسامُ المُجْتَهِدِينَ:
وقولُهُ: (وشَرْطُ مَنْ يَجْتَهِدُ التبَحُّرُ .... البيتَ) يَعني: مِنْ شَرْطِ الْمُجْتَهِدِ أنْ يكونَ مُتَبَحِّرًا في العلومِ معَ كامِلِ الفِطنةِ، كاملَ الأَدِلَّةِ مُحَصِّلًا جُملةً مِن العلومِ المحتاجِ إليها كما مَرَّ بيانُهُ، وهذا في الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ. ودُونَهُ مُجْتَهِدُ الْمَذْهَبِ، وهوَ الْمُتَمَكِّنُ مِنْ تَخْرِيجِ الدليلِ مَنصوصًا على نُصوصِ إمامِهِ. ودُونَهُ مُجْتَهِدُ الفَتْوَى، وهوَ الْمُتَبَحِّرُ في مَذْهَبِ إمامِهِ الْمُتَمَكِّنِ مِنْ تَرْجِيحِ قولٍ على آخَرَ.
حكْمُ المجتَهِدِ في الفروعِ:
فإن اجْتَهَدَ في الفروعِ فأصابَ فلهُ أَجرانِ؛ أجْرٌ على اجتهادِهِ وأجْرٌ على إصابتِهِ، وإن اجْتَهَدَ فأَخْطَأَ فلهُ أجْرٌ واحدٌ على اجتهادِهِ، ولا إِثْمَ عليهِ لِخَطَئِهِ على الصحيحِ، إلاَّ أنْ يُقَصِّرَ في اجتهادِهِ فيَأْثَمَ لتقصيرِهِ.
وإلى هذا أشارَ بقولِهِ: (فإنْ أصابَ فلَهُ أجْرَانِ .... البيتَ) ؛ لقولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( فَمَنِ اجْتَهَدَ وَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَمَنِ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ ) ).
وهذا الحديثُ دليلٌ على أنْ لَيْسَ كلُّ مُجْتَهِدٍ في الفروعِ مُصيبٌ، وإلى هذا أشارَ بقولِهِ: (وفي الفروعِ واحدٌ مُصيبْ وقيلَ كُلُّ باذِلٍ يُصيبْ) .
حُكْمُ الْمُجْتَهِدِ في أُصُولِ الدِّينِ:
وقولُهُ: (أمَّا أُصُولُ الدِّينِ فالْمُصيبُ لا يَكُونُ إلاَّ واحدًا) ، يَعني: أنَّ أصولَ الدِّينِ وهيَ العقائدُ الدينيَّةُ، لا يكونُ الْمُصيبُ فيها إلاَّ واحدًا، ولوْ كانَ كلُّ مُجْتَهِدٍ فيها مُصيبًا لأَدَّى ذلكَ إلى تصويبِ أهْلِ الضَّلالِ مِن النصارَى والْمَجُوسِ وسائرِ الكُفَّارِ والْمُلْحِدِينَ، مِن الْمُعْتَزِلَةِ وغيرِهم، وسائرِ الْمُبْتَدِعَةِ المخالِفِينَ للسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ. وقولُهُ: (قَدْ كَمُلا) - بفتْحِ الميمِ - فيهِ بَراعةُ القَطْعِ، وهيَ الإتيانُ بما يُؤْذِنُ بالانْتِهَاءِ.