الصفحة 135 من 2396

جعل كثرة الأموات في الحقيقة قلّة، لأنها لا تكثر إلاّ إذا قلّت الأحياء، وأيضا فإن الأموات تدفن أو تبلى فتذروها الرياح، أو تأكلها الوحوش والطير، فهي تقلّ وإن كثرت. وكان هذا البيت ينظر به إلى قول القائل:

لكُلِّ أناسٍ مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد

وبهذه الطريقة سلك بقوله:

متى ما ازددتُ من بعد التناهي ... فقد وقع انتقاص في ازدياد

جعل زيارته بعد تناهيه نقصانًا زايدا، كما جعل في هذا البيت كثرة الأموات قلّة، فانعم النظر، فانّه لا يخفى التناسب بين هذين البيتين عليك. ومع ذلك فانه لو تمّ له الوزن فقال: (لا تكثر الأموات إلا إذا شقيت بك الأعداء) كان قد بلغ الغرض، ولكن لمّا لم يتمّ الوزن حشا البيت بما تمَّمَ وزنه. وقوله: (شقيت بك الأحياء) ، ليس يزيد الشقاء بعينه، وإنما هو من قولهم: شقيت بفلان: إذا كان يبغضك، كقول الطّرمّاح:

وأنِّي شقيّ باللئام ولا ترى ... شقيًّا بهم إلا كريم الشمائل

أي اللئام يبغضونني ولا ترى واحدًا يبغضونه إلاّ كريما.

وقد قال أبو الطيب أيضًا:

لولا ظباء عديّ ما شقيت بهم ... ولا بربربهم لولا جآذره

يريد بقول: لولا ظباء عديّ لما أبغضتني عدي، ولما أضمرت لي الأحقاد، وإنما أبغضتني لمّا اعشق نساءها. والمعنى: انك إذا كرهت حيوة قوم وأبغضتهم قَتَلْتَهُم فكثّرت بهم الأموات كثرة تؤدي إلى قلّة. هذا كلامه.

وأتيت بما وقع إليّ من كلامهم في هذا البيت.

قال الواحدي:

قوله (كثرة قلّة) ، أي: كثرة تحصل عن قلّة وهي قلّة الأحياء، يقول: إنما تكثر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت