قال الصولي:
مذهب جهم: الجحد وقلّة التحصيل، فيقول: من رقّتها تكاد لا تتحصل إلا أنهم على حال جعلوها جوهرا، أي: أصلا للأشياء. يريد قدمها.
وفي حاشية النسخة المذكورة بخط مولانا: الخمر مشتقّة من الخميرة، وخميرة كلّ شيء أصله، وقل أراد: الماء فيها، لأنها تبدي أخلاق شاربها وجوهره، وفيها: الجهمية لا يثبتون لله اسم الشيء تحرّزا عن وقوع التشبيه، ولكن يقولون هو مكوِّن الأشياء. فأعطى الخمرة مقالة الجهمية. ووصفهم مذهب نفي الأوصاف لله تعالى، فكأنها لا وصف لها في الرِّقَّة. وقال: جوهر الأشياء، أي: هي المبدية للجواهر في نفوس الشَّرْب.
وفي حاشية ط: أن هذه الخمرة بلغت من الرّقة والصفاء مبلغا لا يمكن إدراكها بالبصر، وهذا قبيح، وقد أحسن في التشبيه ابن المعتز، وقال:
صفت وصفت زجاجتها عليها ... كمعنى دقّ في ذهن لطيف
في بعض الحواشي: أراد به قول جهم: أن كلّ شيء عرضٌ يزول إلاّ الجوهر الأصلي. وهذا قول حين إن صح قول جهم به.
وقال الآمدي:
قد أكثر الناس تعاطي تفسير (جهمية الوُصّاف) . وأقرب ما سمعت فيه أن جهما كان يقول: انه ليس شيء على الحقيقة إلاّ الله تعالى. إذ كل شيء يبطل ويتلاشى غيره، والأشياء كلها أعراض ألّفها وخلقها. وأظن أن أبا تمام أراد أن الراح لرقتها عرض لا جسم، وهذا مذهب قريب. وقوله: (قد لقّبوها جوهر الأشياء) وهو الذي لم أرهم يصحّحون له تفسيرا إلاّ على الظنّ، لأنهم ما رأوا أحدا لقّبها بهذا اللقب. وقد سمعت من يقول: إنما أراد قدمها. فإن من أسمائها الخندريس. والخندريس: القديمة. ولعمري أنها قديمة ولكن ليست جوهرا للأشياء، ولا هي أوّل لها. وما