زلت أسمع للشيوخ يقولون: هذا البيت من تخليطه ووساوسه، لأن الشعر إنما يستحسن إذا فُهم، وهذه الأشياء التي يأتي بها منغلقة ليست على مذهب الأولين والمتأخرين.
قال المبارك بن أحمد:
قول الآمدي (لأنهم ما رأوا أحدا لقّبها بهذا اللقب) ما أظن أبا تمام أراد به مواضعة الناس على هذا البيت لها ولا اصطلاحهم عليه، إنما أراد أن يقول أن أصحاب جهم بن صفوان لقّبوها بذلك، كما أخبر أن أوصافها جهميّة أخبر انهم وصفوها بذلك. ولهذا قالوا: ان رواية) جهمية الوصّاف) أولى لإعادة ضمير (لقّبوها) إليهم.
وفي حاشية دواوين شعه ج: المعنى: ان الوصف الذي يستوجب هذه أن توصف به وصف الجهم بن صفوان للباري عزّ وجل لأنه لا يقدر على وصفه بحسّ ولا عيان. ووصفهم للقرآن بأن القرآن مخلوق فكذلك من أراد أن يصفها يقول: هي مخلوقة وليست مما يعتصر من الأعناب. وهو قال: هكذا يجب أن توصف إلاّ أنهم سمّوها باسم الخمر الذي تسمّى به وغيره.
وقال الآمدي في (تفسير معاني أبيات أبي تمام) :
وهذا البيت مما عهدتم يفيضون فيه وفي تفسيره، فلا يصحّ إلاّ بالحدس والظّنّ، لأن جوهر الأشياء لا يُدرى ما أراد به إلا أن يكون ذهب: ان الخمر لِقِدّمِها أصل الأشياء، وأوّلها على المبالغة، لأن جوهر الشيء أصله الذي منه يبتدئ ويتركّب حتى يكون جسما. وقوله (قد لقبوها جوهر الأشياء) قول لا يعرف، وما علمنا أن أحدا لقّبها هذا اللقب، فإن كان أراد بذلك معنى قولهم (خندريس) أي قديمة عتيقة فقد ذهب مذهبا، وإن كان قد تعسّف القول وأبعد التأويل، فإن كان أراد بها جوهر للجوهر وجنس للجنس فإن لفظه لا يدلّ على هذا.