قوله (خرقاء يلعب بالعقول حبابها) لأنه أخبر عنها بالشيء وخلافه. والجهميّة: طائفة من المتكلمين ينسبون إلى رجل يقال له (جهم) . من اعتقادهم: إن الإنسان لا يستطيع أن يفعل شيئا يلزمونه العقوبة على ما يفعل، فيقع بذلك المناقضة. والطائي من وُصّاف الخمر، فكأنه قد ذهب مذهب جهم، لأنه جعل الخمر لا فعل لها. ثم يزعم أنها أسكرته وشوّقته فيختلف خبراه عنها في الحال الواحدة. وقوله (جوهر الأشياء) هذا ضرب من صناعة الشعر يسمّيه أصحاب النقد (التَّورية) : وذلك انه ذكر هذه الطائفة من المتكلمين ومن شأنهم أن يتكلموا في الجوهر والعرض فأوهم السامع أنه يريد الجوهر الذي يستعمله أصحاب الكلام. وإنما يريد الجوهر الذي هو رونق الشيء وصفاؤه، من قولك: ظهر جوهر الشيء. أي: ان الأشياء ليس لها حسن إلا بالخمر. وأصحاب المنطق يجعلون الجوهر الذي يسمّيه غيرهم (الجسم) : فالأرض عندهم جوهر وكذلك الإنسان والفرس. والمتكلمون المحدثون يقولون: الجوهر: الجزء الذي لا يتجزأ.
وهذا الفن من صناعة النظم مثل قول البحتري:
(بيضاء تملح في القلوب وتعذب)
فظاهر اللفظ يدلّ على أن (تملح) من الملوحة، وهذا ضد (تعذب) . وإنما أراد (تملح) من الملاحة فاتفقت التورية.
بيت البحتري أعرق في التورية من بيت أبي تمام من كلام المتكلمين لا من الجوهر الذي ذكر أنه الرونق.
قال أحمد بن محمد المرزوقي:
كان جهم بن صفوان يمتنع أن يسمّي الله تعالى شيئا. ويعتقد أن هذه اللفظة إنما تطلق على المحدثات: الجواهر والأعراض. فيقول: رقّت هذه الخمر حتى كادت تخرج من أن كون جوهرا أو عرضا أو أن تسمّى شيئا، إلاّ أنها لفخامة شأنها