فهرس الكتاب
الوجه الثاني: كلام الله، وهو الوحي، وهو القرآن، فذلك قوله: {حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه} يعني: القرآن الذي أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقال في الفتح: {يريدون أن يبدلوا كلام الله} يعني: قول الله للنبي، صلى الله عليه وسلم. {قل لن تتبعونا} [15] .
الوجه الثالث: كلمات الله. يعني: علم الله عز وجل وعجائبه: فذلك قوله: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي} وعجائبه {لنفذ البحر قبل أن تنفد كلمات ربي} وعجائبه، يعني: قبل أن ينفد علم ربي وعجائبه ومثلها في لقمان.
الوجه الرابع: كلام المخلوقين عند الموت لا يسمعه بنو آدم، فذلك قوله عز وجل: {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون} : ذلك أن الكافر إذا هجم عليه الموت وعاين حسناته قليلة وسيئاته كثيرة نظر إلى ملك الموت قبل أن يخرج من الدنيا يتمنى الرجعة، وصدق بما كذب في الدنيا. ثم استأنف: {إنها كلمة هو قائلها} ولا يسمعها بنو آدم، مثل قول فرعون حين أدركه الغرق ونزل به الموت وعاينه {قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل} فلم ينفعه إيمانه عند معاينة ملك الموت، ولو كان آمن قبل الغرق لنفعه إيمانه. قال: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} يعني: بعيسى، صلى الله عليه وسلم، قبل موته، لا يموت أحد منهم حتى يؤمن به، ولا ينفعه إيمانه عند معاينة ملك الموت، بنزول الموت به لأنه لا يستطيع أن ينطق به منطق أهل الدنيا، وذلك قوله عز وجل: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات} يعني: الشرك {حتى إذا حضر أحدهم} وعاين حسناته وسيئاته قال: حين لا يسمع كلامه المخلوقين {إني تبت الآن} فليس من كافر إلا تاب عند الموت، لا ينفعه ولا يتجاوز عنه، ولا يتجاوز عن الذين {يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما} .
الوجه الخامس: الكلام بالإيمان عند معاينة العذاب في الدنيا، كلام الكفار فقال يخبر عن الأمم الخالية الذين عذبوا في الدنيا {فلما رأوا بأسنا} يعني: عذابنا في الدنيا {قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين} يقول: {فلم يك ينفعهم إيمانهم} حين نزول العذاب بهم كما لم ينفع فرعون الإيمان عند الغرق. وقال: {فلما أحسنوا بأسنا إذا هم منها يركضون} ، {وقالوا ويلنا إنا كنا ظالمين} فأقروا على أنفسهم بالظلم، وآمنوا بما جاءت به الرسل، وسألوا الرجعة إلى الدنيا والنظر أن يحسنوا العمل. وقال في الشعراء: {فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون فيقولوا هل نحن منتظرون} [101 - 103] . وقال: {أثم إذا ما وقع آمنتم به} حين أنزل العذاب {آلآن وقد كنتم به تستعجلون} .
إلا
تفسير «إلا» على أربعة وجوه:
فوجه منها: ما يشبه الاستثناء، ووجه منها «إلا» وهو الاستثناء، فذلك قوله: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} أنهم ليسوا بأعداء بعضهم لبعض. وقال في آخر الفرقان: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} إلى قوله: {إلا من تاب وآمن وعمل صالحا} [68 - 70] فإنه لا يلقى إثما. ونحوه كثير.
الوجه الثاني: إلا، فهذا الذي يشبه الاستثناء، فذلك قوله في الأعراف حين سألوه عن القيامة: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله} [188] فإنه لا يصيبني إلا ما شاء. وفي يونس حين سألوا متى ينزل بهم العذاب: {قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا} ثم انقطع الكلام، ثم استأنف: {إلا ما شاء الله} فإنه يصيبني إلا ما يشاء، فإنه يصيبني ذلك. {لكل أمة أجل} بالعذاب، إلى آخر الآية. وقال إبراهيم، صلى الله عليه وسلم في الأنعام: {ولا أخاف ما تشركون به} البتة، ثم أستأنف: {إلا أن يشاء ربي شيئا} [80] فيصيبني ما يشاء ربي. وقال شعيب، صلى الله عليه وسلم، في الأعراف: {وما يكون لنا أن نعود فيها} يعني: في ملة الشرك ثم استأنف {إلا أن يشاء الله ربنا} [89] فيدخلنا فيها. وقال: {لا يذوقون فيها الموت} ، ثم استأنف