الوجه الخامس: الكلام، يعني: آخر الكلام بالإيمان من الكفار عند معاينة العذاب. قال الله عز وجل، يخبر عن الأمم الخالية الذين عذبوا في الدنيا: {فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون ... قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين} [الأنبياء: 12 - 14] . فأقروا على أنفسهم بالظلم، وآمنوا بما جاءت به الرسل، وسألوا الرجعة إلى الدنيا، والنظرة إلى أن يحسنوا العمل، وقال أيضا: {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده} [غافر: 84] يعني: عذابنا في الدنيا. يقول الله جل ذكره: {فلم يك ينفعهم إيمانهم} [غافر: 85] . عند نزول العذاب بهم، كما لم ينفع فرعون حين آمن عند الغرق. وقال في الشعراء: {لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم (201) فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (202) فيقولوا} ، عند ذلك {هل نحن منظرون} [201 - 203] وقال في يونس: {أثم إذا ما وقع} ، يعني: نزل العذاب، {آمنتم به آلآن} ، تؤمنون، {وقد كنتم به تستعجلون} [51] .
إلا مشددة
إلا: منه استثناء، ومنه ما يشبه الاستثناء وهو مستأنف الكلام.
على أربعة أوجه:
الوجه الأول: إلا، يعني: الاستثناء. فذلك قوله في الزخرف: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو} ، ثم استثنى من الأخلاء، فقال: {إلا المتقين} [67] منهم، وأنهم ليسوا بأعداء بعضهم لبعض. وقال في الفرقان: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} الآية، ثم استثنى فقال: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا} [68 - 70] ، فإنه لا يلقى آثاما ولا يخلد في العذاب. ونحوه كثير.
الوجه الثاني: إلا، يعني: الاستثناء، وليس باستثناء، ولكنه مستأنف للكلام. فذلك قوله في الأعراف، حين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن القيامة، فقال الله عز وجل: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا} ، البتة، فانقطع الكلام ثم استأنف: {إلا ما شاء الله} [188] فإنه يصيبني ما شاء. وقال في يونس، حين سألوا: متى ينزل العذاب: {قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا} البتة، وانقطع الكلام ثم استأنف: {إلا ما شاء الله} ، فإنه يصيبني ذلك، {لكل أمة أجل} [49] ، بالعذاب، إلى آخر الآية. وقال إبراهيم في سورة الأنعام: {ولا أخاف ما تشركون به} ، البتة، استأنف: {إلا أن يشاء ربي شيئا} [80] ، فيصيبني ما شاء ربي عز وجل. وقال شعيب في الأعراف: {وما يكون لنا أن نعود فيها} ، يعني: في ملة الشرك، ثم أستأنف وقال: {إلا أن يشاء الله ربنا} [89] ، شيئا فيدخلنا فيها. وقال في الدخان: {لا يذوقون فيها الموت} ، البتة، ثم استأنف فقال: {إلا الموتة الأولى} [56] ، التي ذاقوها في الدنيا. وقال في: الليل إذا يغشى: {وما لأحد عنده من نعمة تجزى} ، يعني: ما لبلال عند أبي بكر من نعمة يجزيه بها أبو بكر، حين أعتقه، ثم استأنف فقال: ما فعل ذلك: {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} [الليل: 19 - 20] . وقال في: هل أتاك حديث الغاشية: {فذكر إنما أنت مذكر (21) لست عليهم بمصيطر} ، البتة، وانقطع الكلام، ثم استأنف: {إلا من تولى وكفر (23) فيعذبه الله العذاب الأكبر} [الغاشية: 21 - 24] . وقال في: التين والزيتون: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4) ثم رددناه أسفل سافلين} ، فانقطع الكلام، ثم أستأنف، وقال: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون} [التين: 6] . وقال في: قل أوحى: {عالم الغيب} ، يعني: غيب وقت العذاب، {فلا يظهر على غيبه أحدا} ، متى وقت العذاب البتة، ثم استأنف: {إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا} [الجن: 26 - 27] . وقال في سبأ: {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى} ، ثم استأنف: {إلا من آمن وعمل صالحا} ، فإن ذلك يقرب إلى الله عز وجل، {فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا} [37] .
الوجه الثالث: إلا، يعني: خبر يخبر عن شيء. فذلك قوله في الحجر: {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله} ، ثم أخبر عنه: {إلا بقدر معلوم} [21] . وقوله: {إن أنتم} ، ثم أخبر عنهم: {إلا بشر مثلنا} [إبراهيم: 10] . وقال: {إن نحن} ثم أخبر عنهم: {إلا بشر مثلكم} [11] . وقال: {إن أنتم} ، ثم أخبر عنهم: {إلا في ضلال مبين} [يس: 47] . ونحوه كثير.