فهرس الكتاب
فَـ (يَهْمَاءَ) ـ على ما قَرَّرْنَا ـ مفعولٌ بالعِسِّيفِ، وأسندَ القصدَ إلى الجملِ؛ لأنَّهُ هوَ الذي يَسِيرُ، فالراكبُ تابعٌ في القصدِ للمركوبِ، والمركوبُ تابعٌ للراكبِ في الاهتداءِ والتحيُّرِ، ولذلكَ ما نفى التحيُّرَ عنهُ دونَ الجملِ. وهذهِ منْ لطائفِ البلاغةِ وأسرارِ الفصاحةِ.
وجعلَ طريقَ الدليلِ هُدًى؛ لأنَّ مَنْ يسلُكْها يَجِدْ عليها هُدًى، فكانَ الطريقُ هُدًى من الدليلِ الذي سلَكَها أوَّلًا لمَنْ يسلُكُها بعدَهُ.
ويجوزُ أنْ يُفَسَّرَ الهُدَى بالراحةِ هنا، لاهتداءِ راكِبِها بها. فـ (هُدَى) عليهِ فاعلُ (انْتَحَتْ) ، و (يعْمَلُ) بدلٌ منهُ، و (يهماءَ) بالنصبِ مفْعُولُهُ.
والتقديرُ: إذا قَصَدْتُ راحلةَ الهَوْجَلِ العِسِّيفِ وهيَ يَعْمَلُ يَهْمَاءُ.
20 -إذا الأمْعَزُ الصَّوَّانُ لاقَى مَنَاسِمِي تَطَايَرَ منهُ قَادِحٌ ومُفَلَّلُ
الأمْعَزُ: المكانُ الصُّلْبُ. والصَّوَّانُ، جَمْعُ صَوَّانَةٍ: ضَرْبٌ من الحجارةِ شديدٌ، فالأمْعَزُ الصَّوَّانُ: صاحبُ الصَّوَّانِ. والمَنَاسِمُ جمعُ مَنْسِمٍ: مُقَدَّمُ الخُفِّ، والقادحُ: الذي يقْدَحُ النارَ. والمُفَلَّلُ: المُكَسَّرُ.
وَصَفَ بعيرَهُ بصلابَةِ أخفافِهِ بحيثُ تُؤَثِّرُ منَاسِمُها في الأماكنِ الصَّلْبَةِ إذا لاقَتْها، فَتُطِيرُ منها أحجارًا قادحةً للنارِ، وأُخْرَى مكسورةً منْ شدَّةِ الوَطْءِ، وصَلابَةِ ما يُبَاشِرُ الأرضَ من الأخفافِ.
21 -أُدِيمُ مِطَالَ الجُوعِ حتَّى أُمِيتَهُ وأَضْرِبُ عنهُ الذِّكْرَ صَفْحًا فَأَذْهَلُ
(6 / ب) المِطَالُ، كالمَطْلِ: تأخيرُ الحقِّ. يقالُ: مَطَلَهُ ومَاطَلَهُ بحَقِّهِ: لَوَاهُ؛ أيْ: أخَّرَهُ. والصَّفْحُ: مَصْدَرُ صَفَحَ يَصْفَحُ، بفتحِ الفاءِ فيهما: أعرضَ وأذْهَلَ ـ بالفتحِ ـ مُضَارِعُ ذَهَلْتُ عن الشيءِ بالفتحِ ذَهْلًا، أو ذَهِلْتُ عنهُ بالكسرِ ذُهُولًا: نَسِيتُهُ، والذِّكْرُ: التَّذَكُّرُ، وضَرْبُهُ عن الجوعِ صَفْحًا: الإعراضُ عمَّا يقتضيهِ من الأكلِ إعراضًا، وهذا عَيْنُ مِطَالِهِ الذي يُدِيمُهُ حتَّى يُمِيتَ الجوعَ؛ أيْ: يكْسِرَ سَوْرَتَهُ ويقتلَ كَلَبَهُ بدوامِ مُصَابَرَتِهِ بأنْ يَرْتَاضَ بهِ فلا يتأَثَّرَ بهِ بعدُ، وغايَةُ ذلكَ أنْ يَذْهَلَ عنْ وجودِهِ، وألاَّ يُحِسَّ بِحَرِّ وَقُودِهِ.
22 -وأَسْتَفُّ تُرْبَ الأرضِ كيْ لا يَرَى بهِ عَلَيَّ من الطَّوْلِ امْرٌؤ مُتَطَوِّلُ
استفافُ التُّرْبِ كَسَفِّهِ، والسَّوِيقِ: أخْذُهُ غيرَ مَلْتُوتٍ. الطَّوْلُ، بفتحِ الطاءِ المُهْملةِ: الفضلُ. و (مِنْ) زائدةٌ للتوكيدِ، والمُتَطَوِّلُ: المُتفَضِّلُ.
يُرِيدُ أنَّهُ إذا دارَ أمْرُهُ بينَ أنْ يستفَّ الترابَ، أوْ أنْ يتحَمَّلَ منَّةً منْ ذِي مَنٍّ، فإنَّهُ يختارُ استفافَ الترابِ.