الصفحة 9 من 32

العَلُّ، بفتحِ العينِ المهملةِ وتشديدِ اللامِ: مَنْ يزورُ النساءَ كثيرًا، ومَنْ تقبَّضَ جِلْدُهُ منْ مرضٍ، والمُسِنُّ الصغيرُ الجُثَّةِ. وهذهِ المعاني صالحةٌ هنا كلُّها. أمَّا الذي يُكْثِرُ الزيارةَ للنساءِ فإنَّهُ يتخَلَّقُ بأخلاقِهِنَّ فيكثرُ شرُّهُ، ويقِلُّ خيرُهُ، كالَّذي تقبَّضَ جِلْدُهُ من المرضِ؛ فإنَّهُ يفْسُدُ مَزاجُهُ، ويَحْرَجُ صدْرُهُ ولا تَسَلْ عنْ شرِّهِ ونُدُورِ خيرِهِ.

وأمَّا الثالثُ فلأنَّ دمامةَ الخَلْقِ - بالفتحِ - (5 / ب) يُلازمُها ذَمَامَةُ الخُلُقِ في الغالبِ. والألَفُّ - بتشديدِ الفاءِ - العَيِيُّ البطيءُ الكلامِ، إذا تكلَّمَ ملأَ لسانُهُ فمَهُ، وهوَ أيضًا الثقيلُ البطيءُ المقرونُ الحاجبَيْنِ. وكلا المعنيَيْنِ يُعابُ بهِ؛ لكونِهِ يدلُّ على نقصٍ باطنِيٍّ. والاهتياجُ: الثَّوَرَانُ، كالْهَيَجِ والهَيَجَانِ والهِيَاجِ بالكسرِ. والروعُ: الفزعُ. والأعزلُ: الذي لا سلاحَ معهُ.

وجملةُ شرِّهِ دونَ خيرِهِ في موضعِ خفضٍ على النعتِ لِـ (عَلَّ) . و (ألَفُّ) و (أعزَلُ) نعتانِ لهُ مقطوعانِ، أيْ: هوَ ألَفُّ، وهوَ أعزَلُ. والثاني هوَ المقطوعُ، والأوَّلُ تابعٌ لمَتْبُوعِهِ في الإعرابِ. والمقصودُ منْ هذهِ النعوتِ مُجرَّدُ الذمِّ للمنعوتِ على أنَّ الأوَّلَ، وهوَ: شرُّهُ دونَ خيْرِهِ، مُبَيِّنٌ لمُلازِمِ معنى المنعوتِ كما أوْمَأْنَا إليهِ آنِفًا، ومعنى: شرُّهُ دونَ خيرِهِ: أيْ: شرُّهُ أدنى للنَّاسِ منْ خيرِهِ، وضرُّهُ أقرَبُ إليهم منْ نفْعِهِ، فَشرُّهُ حائلٌ بينَهُ وبينَ خيرِهِ فلا يَصِلُونَ إليهِ، وهذا بحَسَبِ الدلالةِ الوضعيَّةِ.

أمَّا المقصودُ: فنفيُ خيْرِهِ على سبيلِ المبالغةِ، لا نفيُ الوصولِ إليهِ معَ وجودِهِ؛ لأنَّ وجودَ الخيرِ إنَّمَا يُدْرَكُ بنَيْلِهِ والوقوفِ عليهِ، وهوَ مُنْتَفٍ بكونِ الشرِّ دُونَهُ، أيْ: لا يُعْلَمُ فيهِ خيرٌ يَشُوبُ شرَّهُ، ونفعٌ يُخالِطُ ضرَّهُ. وأفْهَمَ نفيُ هذهِ الأوصافِ المذمومةِ عنهُ ثبوتَ أضدادِهَا المحمودةِ لهُ، فهوَ خيرُهُ دُونَ شرِّهِ قريبُ البيانِ، فصيحُ اللسانِ، ثَبْتُ الجَنَانِ، لا يَهْتَاجُ لقَعْقَعَةِ الشِّنَانِ، مُلازمٌ للسلاحِ، مُسْتَعِدٌّ للكفاحِ.

19 -ولسْتُ بمِحْيَارِ الظلامِ إذا انْتَحَتْ هُدَى الهَوْجَلِ العِسِّيفِ يَهْمَاءَ يَعْمَلُ

المِحْيَارُ: الكثيرُ الحَيْرَةِ. والانْتِحَاءُ: القصدُ. اليَعْمَلُ: الجملُ النَّجِيبُ المطْبُوعُ على العملِ، والناقةُ يَعْمَلَةٌ، واليَعْمَلُ واليَعْمَلَةُ اسمانِ لا يُوصَفُ بهما كما في القاموسِ.

واليَعْمَلُ فاعلُ انتَحَى، ويُرْوَى: هَوْجَلُ: وهيَ الناقةُ السريعةُ. وانْتَحَتْ بتاءِ التأنيثِ. والهُدَى، بضمِّ الهاءِ وفتحِ الدالِ: الرشادُ والدلالةُ، والمرادُ هنا: الطريقُ والقصدُ؛ لأنَّهُ يهتدي بالطريقِ ويُهْتَدَى لهُ، والهَوْجَلُ هنا: الدليلُ. والعِسِّيفُ، بكسرِ العينِ والسينِ المُشدَّدةِ المهملتَيْنِ: الذي يكْثُرُ منهُ قطعُ المفاوزِ على غيرِ طريقٍ؛ مُبالغةً في العاسِفِ.

و (هُدَى) منصوبٌ بِـ (انْتَحَتْ) على أنَّهُ مفعولٌ بهِ، أوْ مفعولٌ مطلقٌ مُرادِفٌ لمصدرِ الفعلِ؛ لأنَّ المعنى: انْتَحَى انتحاءَ (6 / أ) الهَوْجَلِ، أو المعنى: اهْتَدَى هُدَاهُ.

وتقديرُ البيتِ: ولستُ بشخصٍ كثيرِ الحيرةِ في الظلامِ، بمعنى: يقعُ التحيُّرُ منهُ كثيرًا، أيْ: تكثرُ مُرَاءَاتُهُ، أوْ يشتدُّ ما يقعُ منهُ منْ ذلكَ بحيثُ لا يَجِدُ مخرجًا، وقدْ يقالُ: لا يُحتاجُ إلى هذا؛ إذْ لا يُسَمَّى تحيُّرًا إلاَّ ما كانَ مثلَ هذا. أمَّا التوقُّفُ الذي يعْقُبُهُ الاهتداءُ فليسَ بحيرةٍ، ولا يُذَمُّ بهِ صاحبُهُ، وقلَّما يسْلَمُ منهُ، فلأجلِ هذا خصَّ النفيَ بما يدلُّ على الكثرةِ في ذلكَ، وهوَ مِحْيَارٌ بزِنَةِ (مِفْعَالٍ) الذي هوَ منْ أمثلةِ المبالغةِ في تكثيرِ المعنى. ونفيُ ذلكَ عنهُ أفادَ ثبوتَ ضدِّهِ لهُ، وهوَ أنَّهُ كثيرُ الاهتداءِ إلى قصدِ السبيلِ عندَ اشتباكِ الظلامِ، فلا تَعْمَى عليهِ المسالكُ، إذا قُصِدَ جملٌ مطبوعٌ على العملِ بهِ قَصْدَ الدليلِ الذي يكثرُ منهُ عَسْفُ اليَهْمَاءِ؛ أي: المَفَازةِ التي يهيمُ فيها السالكُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت