الصفحة 8 من 32

ولذلكَ يُسمَّى الصَّافِرَ، وهوَ طائرٌ جبانٌ يُضربُ بهِ المثلُ فيقالُ: أجبنُ منْ صافرٍ؛ ولذلكَ ما خصَّهُ الشنْفَرَى بظنِّهِ في فؤادِ الخَرِقِ الهَيْقِ. والفؤادُ: ما يتعَلَّقُ بالمَرِئِ منْ كبدٍ ورِئَةٍ وقلبٍ.

والمعنى على تشبيهِ القلبِ في الاضطرابِ من الدَّهَشِ والخوفِ بالمُكاءِ. وهوَ تشبيهٌ مُكَنًّى عنهُ لا مُصرَّحٌ بهِ، وبيانُ الكنايَةِ أنَّهُ يلزمُ منْ ظنِّ المُكاءِ في الفؤادِ ظنُّ القلبِ مُكاءً؛ لأنَّ الذي في الفؤادِ - على التحقيقِ - القلبُ، والظنُّ المذكورُ اسْتُفِيدَ منْ خبرِ (كأنَّ) ، فإنَّهُ إذا كانَ فعلًا كما هنا، أوْ ظرفًا، أوْ مُشْتَقًّا، أُشْرِبَتْ (كأنَّ) معنى الظنِّ.

وتقديرُ البيتِ: ولستُ أيضًا بذي دَهَشٍ طويلٍ في نَحافةٍ؛ فإنَّ ذلكَ منْ أماراتِ الحُمْقِ غالبًا، مظنونًا فؤادُ ذلكَ الخَرِقِ يُقيمُ بهِ المُكَّاءُ حالةَ كونِهِ عاليًا وسافلًا، أيْ: يرتفعُ وينخفضُ منْ شدَّةِ الدهشِ.

17 -ولا خَالِفٍ دَارِيَّةٍ مُتَغَزِّلٍ يَرُوحُ ويغْدُو دَاهِنًا يَتَكَحَّلُ

(5 / أ) الخالفُ: الذي خَلَفَ، بمعنى فسدَ أوْ حَمُقَ، ويُسَمَّى بهذا المعنى الثاني خالِفَةً أيضًا، أو الذي خلفَ عنْ أصحابِهِ، بمعنى تخلَّفَ عنهم، أو الذي خلَفَ غيرَهُ: أيْ صارَ خليفتَهُ في أهلِهِ. والدَّارِيَّةُ: مَنْ لا يُفارقُ البيوتَ. وقيلَ: الذي يُكْثِرُ الادِّرَاءَ لغيرِهِ، أي: الخَتْلَ. فتَاؤُهُ -عليهما- للمبالغةِ كعلاَّمَةٍ ونسَّابَةٍ. والمُتَغَزِّلُ: الذي يتكلَّفُ الغَزَلَ، بالتحريكِ: وهوَ محادثةُ النساءِ، ومُرَاودتُهُنَّ، غازَلَهُنَّ وغازَلْنَهُ.

يقولُ: ولستُ بالفاسدِ الذي يُخْلِفُ عنْ أصحابِهِ: أيْ: يتخلَّفُ عنهم، أوْ يخلُفُهم في أهالِيهم بالرِّيبَةِ، لا يُفارقُ البيوتَ لذلكَ، يُغازلُ النساءَ ويُغَازِلْنَهُ، رائحٌ غادٍ مُتطيِّبًا مُتكحِّلًا، يستميلُ بذلكَ النساءَ.

والمقصودُ نفيُ كونِهِ خالِفًا، لا خَالِفًا موصوفًا بالأوصافِ المذكورةِ حتَّى يقالَ: لا يلزمُ منْ نفيِ الخالفِ الموصوفِ بها نفيُ الخالفِ غيرِ الموصوفِ بها، على أنَّهُ - واللَّهُ العالمُ سُبحانَهُ - لا وجودَ للخالفِ بدونِ تلكَ الأوصافِ، فهيَ مُفسِّرَةٌ لهُ، كاشفةٌ عنْ معناهُ، تُشْعِرُ بذمِّهِ، ومعَ ذلكَ فإنَّ نفوسَ ذَوِي الهِمَمِ من العربِ كانتْ تأْنَفُ منْ ذلكَ في جاهلِيَّتِها، وتذُمُّ فاعِلَهُ غايَةَ الذمِّ، ويتمَدَّحُونَ بغضِّ البصرِ عن الجاراتِ، قالَ عنترةُ: [الكامل]

وأَغُضُّ طرْفِي إنْ بدَتْ لي جارَتِي حتَّى يُوَارِيَ جارَتِي مَأْوَاهَا

وقالَ عَقِيلُ بنُ عُلَّفَةَ المُرِّيُّ: ... [الكامل]

ولَسْتُ بسائلٍ جاراتِ بيْتِي أَغُيَّابٌ رجَالُكِ أمْ شهودُ

ولا مُلْقٍ لِذِي الوَدَعَاتِ سَوْطِي أُلاعِبُهُ ورَبَّتَهُ أُرِيدُ

ولَسْتُ بصادرٍ عنْ بيتِ جارِي صُدورَ العَيْرِ غَمَّرَهُ الوُرودُ

18 -ولسْتُ بِعَلٍّ شرُّهُ دونَ خيرِهِ ألَفَّ إذا ما رُعْتَهُ اهتاجَ أعْزَلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت