فهرس الكتاب
وتقديرُ البيتِ: وأسْتَفُّ ترابَ الأرضِ لأجلِ ألاَّ يرى بسببِ ذلكَ عليَّ امرٌؤ مُتَفَضِّلٌ فَضْلًا. بمعنى أنَّ هذهِ عادَتِي، فسفُّ الترابِ عندَ خوفِ المِنَّةِ مُتَحَقِّقٌ في حقِّهِ ماضٍ بالنسبةِ لزمانِ تكَلُّمِهِ، فالتعبيرُ بالمضارعِ لحكايَةِ حالةِ سَفِّهِ الترابَ الماضيَةِ، فهوَ يستحضرُ بهِ صورةَ السفِّ لفظاعَتِها.
أوْ يُقَالُ: إنَّ المعتادَ مستقبلُ العودةِ كما هوَ ماضي البدءِ، فالتعبيرُ بالمضارعِ عمَّا يعودُ منهُ حقيقةً، وعمَّا مضى منهُ مجازًا.
23 -ولولا اجتنابُ الذمِّ لمْ يُلْفَ مَشْرَبٌ ... يُعَاشُ بهِ إلاَّ لَدَيَّ ومَأْكَلُ
يعني: أنَّ اجتنابَهُ الذمَّ المُحَقَّقَ بحَسَبِ دعواهُ بشهادةِ (لَوْلا) ؛ فإنَّها تقتضي وجودَ شرْطِهَا، وامتناعَ جوابِها لوُجُودِهِ. والشرطُ هنا اجتنابُ الذمِّ، فهوَ الذي أرقى هِمَّتَهُ، وقمَعَ نَهْمَتَهُ، ومنعَ مِنْ وِجدانِ المشاربِ والمآكلِ التي يُعَاشُ بها عندَهُ، ولولا ذلكَ ـ أيْ: لوْ قُدِّرَ عدمُ اجتنابِ الذمِّ بعدمِ المبالاةِ بهِ ـ لمْ يوجدْ شيءٌ ممَّا ذكرَ إلاَّ عندَهُ.
24 -ولكنَّ نفْسًا حُرَّةً لا تُقيمُ بي على الذمِّ إلاَّ ريْثَمَا أتَحَوَّلُ
النفسُ الحُرَّةُ: هيَ الكريمةُ التي تَأْنَفُ من الدَّنَايَا، وتُسْتَسْهَلُ في جَنْبِهَا المَنَايا. والرَّيْثُ (7 / أ) هنا: القَدْرُ، ولَكِنْ هنا للاستدراكِ المُحَقَّقِ لوجودِ اجتنابِ الذمِّ المانعِ من ارتكابِ ما تضمَّنُهُ الجوابُ الذي امتنعَ لوُجُودِهِ، فيتَحَقَّقُ امتناعُ مضمونِ الجوابِ، وذلكَ مفهومٌ مِنْ (لَوْلا) في البيتِ الأوَّلِ فيكونُ هذا تأكيدًا لذلكَ.
وبالجملةِ: إنَّ هذا من الاستدراكِ المُشْتَمِلِ على الإثباتِ للَّذِي لمْ يُتَوَهَّمْ نفْيُهُ لمجرَّدِ التأكيدِ. وقدْ يكونُ بالنفيِ لِمَا لمْ يُتَوَهَّمْ ثبوتُهُ كذلكَ، ومنْ قولِ أُبَيِّ بنِ سُلْمِيِّ بنِ ربيعةَ: [المتقارب]
فلَوْ طارَ ذُو حافرٍ قبْلَها لطَارَتْ ولكِنَّهُ لمْ يَطِرْ
فإنَّ (لَوْ) أفادت امتناعَ طيرانِ ذي الحافرِ، فارتفعَ توهُّمُهُ، فاستدْرَاكُهُ بعدُ يكونُ للتأكيدِ.
وتقديرُ البيتِ: ولكنَّ نفْسًا كريمةً لا تستمرُّ بي على ما أُذَمُّ بهِ إلاَّ مقدارَ ما أنتقلُ عنهُ.
والمعنى: أنَّهُ لا يُقِيمُ لحظةً، فاستثناءُ مقدارِ التَّحَوُّلِ منْ مقدارِ الإقامةِ استثناءٌ منْ غيرِ الجنسِ، أفادَ ذلكَ مبالغةً في عدمِ الإقامةِ على الذمِّ، فالإقامةُ والتحَوُّلُ ـ أيْ: قدْرُهُ ـ مُتَغَايرَانِ، وقدْ حصَرَ ما أثبَتَهُ من الإقامةِ في التحَوُّلِ الذي هوَ ضدُّها بلا تأوُّلٍ، وذلكَ محالٌ لا يخطُرُ ببالٍ، فتكونُ الإقامةُ على الذمِّ من المُحالِ، وهذا هوَ المُسَمَّى في علمِ البديعِ بتأكيدِ المدحِ بما يُشْبِهُ الذمَّ، ومنْ شواهِدِهِ قولُ النابغةِ: [الطويل]
ولا عَيْبَ فيهم غيرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فُلُولٌ منْ قِرَاعِ الكتائبِ