الصفحة 12 من 32

فاستثناءُ فلولِ السيفِ من العَيْبِ، كاستثناءِ التحَوُّلِ من الإقامةِ في بيتِ الشَّنْفَرَى، ففلولُ السيفِ مدحٌ أُفْرِغَ في قالبِ الذمِّ، أكَّدَ المدحَ بنفيِ العيبِ لتحقِيقِهِ أنَّهُ لمْ يُوجَدْ منْ إفرادِ العيبِ شيءٌ، وكذلكَ التحَوُّلُ عن الذمِّ مدحٌ عظيمٌ مُفْرَغٌ في قالبِ الذمِّ حيثُ اسْتُثْنِيَ منْ نفيِ الإقامةِ على الذمِّ. والاستثناءُ من النفيِ إثباتٌ، فيقتضي إثباتَ الإقامةِ على الذمِّ، وكوْنُهَا تحوُّلًا عنهُ مُؤَكِّدٌ لنفْيِها وبرهانٌ على استغراقِ النفيِ بجميعِ إفرادِ الإقامةِ على الذمِّ.

25 -وأَطْوِي على الخَمْصِ الحَوَايَا كما انْطَوَتْ خُيوطَةُ مَارِيٍّ تُغَارُ وتُفْتَلُ

الحَوايَا: الأمعاءُ التي تحَوَّتْ، أي: اسْتَدَارَتْ، وَاحِدُهَا حَوِيَّةٌ ـ بوَزْنِ غَنِيَّةٍ ـ وحاويَةٌ وحَاوِيَاءُ (7 / ب) . والخَمْصُ مَصْدَرُ خَمَصَهُ الجوعُ: أضْمَرَهُ. وخَمُصَ البطنُ، مُثَلَّثُ الميمِ: أيْ خَلا. والخُيُوطَةُ ـ بالتَّاءِ ـ كالخيوطِ والأخياطِ: جمعُ خَيْطٍ، والمَارِيُّ: كساءٌ صغيرٌ لهُ خطوطٌ مُرْسَلَةٌ، وإزارُ الساقي من الصوفِ المُخَطَّطِ، وتُغَارُ: يُحْكَمُ فَتْلُهَا. فَـ (الحَوَايَا) مفعولُ (أَطْوِي) ؛ أيْ: أشدُّ الأمعاءَ على جُوعِها فتَنْطَوِي كما انْطَوَتْ خيوطُ الكساءِ، والإزارُ المَارِيُّ في حالِ كوْنِهَا تُفْتَلُ ويُحْكَمُ فتْلُها، وانطواءُ الخيوطِ في حالةِ الغزلِ على المِغْزَلِ في غايَةِ الانضمامِ والتداخلِ. فيُسْتَفَادُ منْ تشبيهِ طَيِّ الأمعاءِ بهِ شدَّةُ جوعِها، وفَرْطُ خلائِها من الغذاءِ والرطوباتِ، واستيلاءُ اليَبْسِ عليها فتَضْمُرُ وتنضَمُّ ولا كانْضِمَامِ الخيوطِ عندَ إحكامِ الفتلِ.

26 -وأغْدُو إلى القُوتِ الزهيدِ كما غَدَا أَزَلُّ تَهَادَاهُ التَّنَائِفُ أطْحَلُ

الُقوتُ: ما يُمْسِكُ الرمَقَ. والزهيدُ: القليلُ والضيِّقُ، أو المرغوبُ عنهُ، بمعنى المزهودِ فيهِ، المُحْتَقَرِ، فهذا يناسبُ قوْلَهُ: وأسْتَفُّ تُرْبَ الأرضِ ... البيتَ.

والأزَلُّ: الذئبُ القليلُ لحمِ الأَلْيَةِ، وخَصَّهُ؛ لأنَّ ذلكَ أشدُّ لوثُوبِهِ وسُرعةِ سيرِهِ. والأَطْحَلُ: ذُو الطُّحْلَةِ ـ بالضمِّ ـ وهيَ لونٌ بينَ الغُبْرَةِ والبياضِ. والتَّنَائِفُ: جمعَ تَنُوفَةٍ، وهيَ المفازةُ. وهلْ وزنُ التَّنُوفَةِ فعُولَةٌ أو تَفْعِلَةٌ خلافٌ ذَكَرْنَاهُ في فرائدِ التبيانِ في شرحِ قلائدِ العِقْيانِ، وتهَادَاهُ أصْلُهُ تتهَادَاهُ بتاءَيْنِ، مُضَارعُ تَهَادَتْهُ؛ أي: أَهْدَاهُ بعضُها إلى البعضِ، وهوَ استعارةٌ لخروجِهِ منْ بعضِها إلى ما يليهِ في سيرِهِ لطلبِ قُوتِهِ. وهذهِ الاستعارةُ تُسَمَّى تبعِيَّةً؛ لأنَّها في الفعلِ، وسُمِّيَتْ بذلكَ لكَوْنِها بالتَّبَعِ لمصدرِ الفعلِ، بمعنى أنَّ المصدرَ مَحَلُّ التشبيهِ الذي انْبَنَتْ عليهِ الاستعارةُ، فجَرَى أوَّلًا ذلكَ في المصدرِ ثمَّ تَبِعَهُ في الفعلِ.

ومعنى البيتِ: وأَسِيرُ غُدْوَةً مثلًا إلى محلِّ القوتِ المزهودِ فيهِ فِرَارًا من الذمِّ سَيْرًا حثيثًا شبيهًا بسيرِ الذئبِ القليلِ لحمِ العَجُزِ، المُغَبَّرِ اللونِ إلى قُوتِهِ في ذلكَ الوقتِ في حالِ كونِهِ تتهَادَاهُ المفاوزُ، وتدفَعُهُ أُولاها إلى ما يلِيهِ، وهكذا.

وغُدوُّ (8 / أ) الذئبِ في طلبِ قُوتِهِ بالغُ الغايَةِ في الإبعادِ والسرعةِ، لا سيَّما إذا كانَ أزَلَّ، فتشبيهُ غُدُوِّهِ بغدوِّ الذئبِ لبيانِ حالِهِ في الغدوِّ في طلبِ القوتِ الذي يُنْجِيهِ من المقتِ المُحَقَّقِ لشِدَّةِ اجتنابِهِ من الذمِّ، فمضمونُ هذا البيتِ والذي قبلَهُ الاحتجاجُ على ما ادَّعَاهُ فيما قبْلَهُما من اجتنابِ المذَمَّاتِ وأنَفَتِهِ من الدنِيَّاتِ.

ثمَّ أخذَ يشرحُ أحوالَ الذئبِ في سيرِهِ إلى القوتِ؛ لِتَعْلَمَ منها حالَهُ هوَ في الطلبِ لكَوْنِهَا مثلَهَا، فقالَ:

27 -غَدَا طاوِيًا يُعَارِضُ الريحَ حافِيًا يَخُوتُ بأذْنَابِ الشِّعَابِ ويَعْسِلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت