فهرس الكتاب
وقولُهُ: (وآلَفُ) معطوفٌ على قوْلِهِ: (وأغْدُو) كقولِهِ: (وأشربُ) ، وكذا قولُهُ:
43 -وأَعْدِلُ منْحُوضًا كأَنَّ فُصُوصَهُ كِعَابٌ دَحَاهَا لاعبٌ فَهْيَ مُثَّلُ
أَعْدِلُ ـ بالكَسْرِ ـ مُضارِعُ عدَلْتُهُ بالفتحِ؛ أيْ: أقَمْتُهُ، والمنحوضُ: المهزولُ. وموصوفُهُ محذوفٌ؛ أيْ: ذِرَاعًا مَنْحُوضًا. والفُصُوصُ، جمعُ فَصٍّ: وهوَ مُلْتَقَى كُلِّ عظْمَيْنِ. والكِعَابُ، جمعُ كَعْبٍ، وهوَ عَظْمٌ ناشزٌ في كُلِّ جانبي القدمِ. ودَحْوُ الكِعَابِ: الرميُ بها؛ لأنَّ في ذلكَ بَسْطًا لها، الذي هوَ معنى الدَّحْوِ. والمُثَّلُ جمعُ مَاثِلٍ؛ أيْ: مُنْتَصِبٍ.
يقولُ: وأَنْصِبُ ذِرَاعًا مهْزُولًا تُشبهُ مواصِلُ عظامِهِ كِعَابًا رَمَى بها على الأرضِ شخصٌ لاعبٌ بها. فهيَ لأجلِ ذلكَ منتصبةٌ قائمةٌ.
فالغرضُ من التشبيهِ هنا بيانُ مقدارِ هُزَالِ الذراعِ، فإنَّهُ أفادَ أنَّ ذلكَ في الغايَةِ، وإنَّما يَعْدِلُ المنحوضُ لِيَتَوَسَّدَهُ.
والمعنى: أنَّهُ يفترشُ الأرضَ، ويتوسَّدُ ذارعَهُ المهزولَ، كما قالَ غيرُهُ: [الكامل]
يا رُبَّ سارٍ باتَ ما توَسَّدَا إلاَّ ذراعَ العِيسِ أوْ عَظْمَ اليَدَا
44 -فإنْ تَبْتَئِسْ بالشَّنْفَرَى أُمُّ قَسْطَلٍ فما اغْتَبَطَتْ بالشَّنْفَرَى قَبْلُ أطْوَلُ
ابْتَأَسَ: حَزِنَ. والشَّنْفَرَى لَقَبُهُ، واسمُهُ: عمرُو بنُ مالِكٍ الأزْدِيُّ. وأمُّ قَسْطَلٍ، بالسينِ والصادِ أيضًا: كُنْيَةُ الداهيَةِ، وأيُّ داهيَةٍ أعظمُ من الحربِ، ومن الحربِ يتوَلَّدُ الغبارُ: وهوَ القَسْطَلُ. والاغتباطُ: السرورُ.
يقولُ: إنَّهُ مِسْعَرُ حربٍ، ومُنْجِدٌ للدَّوَاهِي (12 / ب) على قتْلِ الأبطالِ، فإنْ ماتَ ابْتَأَسَتْ بهِ الدواهي والحروبُ، وحزِنَتْ عليهِ، كما كانتْ تُسَرُّ بهِ، على أنَّ زمانَ اغْتِبَاطِهَا بهِ أطْوَلُ. وقولُهُ هذا تعزيَةٌ لها، والتعزيَةُ في الحقيقةِ لنفسِهِ.
والمعنى: أنَّهُ إنْ قُدِّرَ مَوْتُهُ وابْتَأَسَ ما ذَكَرَ بهِ، فلمْ يكُنْ ذلكَ إلاَّ بعدَ أنْ أَمَاتَ كثيرًا، وَأَوْقَدَ نيرانَ الحروبِ زمانًا طويلًا، وفي ذلكَ اغتباطُ الدوَاهِي وسُرُورُها، فلمْ يَفُتْهُ شيءٌ تُحَبُّ لأجْلِهِ الحياةُ؛ إذْ ذاكَ غايَةُ ما كَانُوا يَطْلُبُونَ الحياةَ لهُ، كما قالَ قُطْرِيُّ بنُ الفُجَاءَةِ: [البسيط]
فإنْ أَمُتْ حَتْفَ أنْفِي لا أَمُتْ كَمَدًا على الطِّعَانِ وقَصْرُ الْعَاجِزِ الكَمِدِ
ولمْ أقُلْ: لمْ أُسَاقِ الموتَ شارِبَهُ في كأْسِهِ والمَنَايَا شُرَّعٌ وُرُدُ
45 -طَرِيدُ جِنَايَاتٍ تَيَاسَرْنَ لَحْمَهُ عَقِيرَتُهُ لأَيِّها حُمَّ أوَّلُ
الطَّرِيدُ: المَطْرُودُ، أي: المُبْعَدُ. وإضافَتُهُ للجناياتِ، جمعُ جنايَةٍ، مجازٌ، بمعنى أنَّها سببُ طَرْدِهِ، والتَّيَاسُرُ: المُقَارعةُ بقِدَاحِ المَيْسِرِ، وهوَ مجازٌ عن الاستحقاقِ، وإسنادُهُ إلى ضميرِ الجِنَايَاتِ مجازٌ أيضًا؛ لأنَّ المُتَيَاسِرَ؛ أيْ: المُسْتَحِقَّ، في الحقيقةِ المَجْنِيُّ عليهم، والجناياتُ سبَبُهُ، ومعَ ذلكَ فهيَ تمثيلٌ لاستحقاقِ المجنِيِّ عليهم دَمَهُ على سبيلِ الاستعارةِ.