الصفحة 20 من 32

وبيانُ ذلكَ أنَّهُ شبَّهَ حالَ نفْسِهِ منْ حيثُ إنَّهُ مطلوبُ الدمِ مَطْلُولُهُ [بحالِ] الجَزُورِ المُعَيَّنِ للنحرِ بالمُقَارعةِ عليهِ بالسهامِ المُسَمَّى تَيَاسُرًا.

ثُمَّ استعارَ لفظَ المُشَبَّهِ بهِ ـ وهوَ مُرَكَّبٌ ـ للمُشَبَّهِ. وما كانَ مثلَهُ من المجازِ ـ أيْ: مُرَكَّبًا ـ سُمِّيَ تمثيلًا على سبيلِ الاستعارةِ، إنْ لوحِظَ فيهِ التشبيهُ كما هنا.

والعَقِيرةُ، بمعنى المَعْقُورةِ، والعقرُ: الجَرْحُ، ويعني بها ذاتَهُ، وحُمَّ: قُدِّرَ. وقولُهُ: (طَرِيدُ جِنَايَاتٍ) خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أيْ: هوَ مَطْرُودُ جناياتٍ؛ أيْ: مُبْعَدٌ عنْ عشيرَتِهِ بسببِ جناياتِهِ الكثيرةِ التي هيَ سببٌ في استحقاقِ المجنيِّ عليهم ـ وهُمْ كثيرونَ ـ دَمَهُ، كاستحقاقِ الجَزُورِ المُتَيَاسِرُونَ علَيْهَا. فذَاتُهُ لأَجْلِ ذلكَ أوَّلُ الذَّوَاتِ عقْرًا لأيِّ الجناياتِ قُدِّرَ.

والمعنى: أنَّهُ بمثابةِ الصَّيْدِ الذي يعْقِرُهُ مَنْ أمْكَنَهُ عقْرَهُ من الطَّالِبِينَ لهُ. فالطَّالِبُونَ لهُ منْ أهلِ الجناياتِ كالمُتَصَيِّدِينَ، فَمَنْ ظَفِرَ بهِ منهم (13 / آ) قتلَهُ إنْ قَدِرَ عليهِ.

وجملةُ (هوَ طَرِيدُ جناياتٍ) مستأنفةٌ لبيانِ حالِهِ، فلا محلَّ لها من الإعرابِ.

46 -تنامُ إذا ما نامَ يَقْظَى عُيونُها حِثَاثًا إلى مكْرُوهِهِ تَتَغَلْغَلُ

اليَقْظَى: المنتبهةُ، وهيَ أُنْثَى اليَقْظَانِ. والحَثاثُ: بالفتحِ ويُكْسَرُ: الغَمَضُ، كالقَرَارِ. وحكى مالكُ بنُ المُرَحِّلِ في نَظْمِ الفصيحِ خِلافًا في الأفصحِ من الفتحِ والكسرِ ونصُّهُ:

ومثلهُ الحِثَاثُ وهوَ يُفْتَحُ

وقيلَ: إنَّ الكِسْرَ فيهِ أفْصَحُ

ومكروهُهُ: ما يكْرَهُهُ. وتَغَلْغَلُ: أسْرَعَ.

قولُهُ: (يقْظَى عُيُونُها) ، فاعلُ (تنَامُ) ، وفاعلُ (نامَ) ضميرُ الشَّنْفَرَى، و (حِثَاثًا) منصوبٌ على المفعولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لـ (تنَامُ) و (إلى مكْرُوهِهِ) مُتعَلِّقٌ بـ (يتغلغلُ) .

والمعنى: تنامُ أعينُ الجناياتِ اليقظى غِمَاضًا إذا ما نامَ هوَ، أيْ: غفَلَ عنها، بمعنى أنَّها لا تغْفُلُ عنهُ لحظةً، وما يُظَنُّ منْ ذلكَ غفلةٌ، فهوَ حيلةٌ ومكرٌ، كمَنْ يُغْمِضُ عينَيْهِ يُرِي الناسَ أنَّهُ نائمٌ، وما بهِ منْ نومٍ، يُرِيدُ انتهازَ الفرصةِ إذا أمْكَنَتْهُ. فهيَ تُسْرِعُ إلى ما هوَ مكْرُوهٌ لهُ، وإنْ رُئِيَتْ ساكنةً. ومِنْ هنا قالُوا: الدَّمُ لا ينَامُ.

وقدْ أفهمَ قولُهُ: (تنامُ يقْظَى عُيُونُها حِثَاثًا) : أنَّها طالبةٌ لهُ، غيرُ غافلةٍ عنهُ. فجاءَ قولُهُ: (إلى مكرُوهِهِ تَتَغَلْغَلُ) مؤَكِّدًا لذلكَ، ويُسَمَّى ذلكَ تَذْيِيلًا، وقدْ شرَحْنَاهُ غيرَ مرَّةٍ. فالجملةُ المُؤَكِّدَةُ مضْمُونُها ما قبْلَها ـ منْطُوقًا أوْ مفْهُومًا ـ لا محلَّ لها من الإعرابِ.

47 -وإِلْفُ همومٍ لا تزالُ تعُودُهُ عِيَادَ الحَمِيِّ الرِّبْعُ أَوْ هِيَ أثْقَلُ

الحَمِيُّ: فَعِيلٌ بمعنى مفعولٍ، هوَ الذي أصابَتْهُ الحُمَّى، والرِّبْعُ، بالكسرِ هنا: الحُمَّى التي تخلَّى عنْ صاحِبِها يومَيْنِ، ثُمَّ تغْشَاهُ بعْدَهُما، فيكونُ يوْمُها رَابِعًا ليَوْمِها قبْلَهُ. و (الحَمِيُّ) مجرورٌ بإضافةِ (عِيَادِ) إليهِ، وهوَ مصدرُ عادَ المريضَ يعُودُهُ. والرِّبْعُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت